قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&علي سالم

حلّت الحرب الأهلية الثانية على اليمنيين قاسية. لا لون يخضّب أفقها عدا الدم المنسكب، وصوت ارتطامه على الإسفلت. لوحة مفزعة عاشها فنانون يمنيون، سكنتهم وسكنوها لكنهم لم يرسموها بعد.

«منذ خمسة أشهر لم أمسك بالفرشاة. ولم أستوحِ من هذه الحرب العبثية سوى أن اليمن ما زال في فساد وتخلف»، تقول التشكيلية إلهام العرشي لـ «الحياة»، مشيرة الى ايام عصيبة عاشتها اثناء القتال الذي شهدته مدينتها عدن.

وتذكر أنها في عدن «مدينة الحب والسلام حاضنة الديانات والأعراق، شاهدت للمرة الأولى الرصاص مضيئاً يخترق عتمة الليل، في شكل متواصل يمر على مسافة ٦٠ متراً من مستوى نظري». وتضيف: «بسبب الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي كنا ننام على الشرفة ويحدث أن نستيقظ من نومنا على دوي المدافع فنهرع الى الغرفة بعيون مغمضة». وفي ظل حصار شامل لا كهرباء ولا ماء ولا اتصالات ولا رواتب فيه، عادت العرشي الى استخدام المذياع لمتابعة الأخبار ليلاً.

وفي مدينة تعز التي تواصل ميليشيا الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح قصفها ومحاصرتها، كان الكتاب، خصوصاً مؤلفات الحرب الأهلية اللبنانية، الرفيق والجليس للتشكيلي مفيد اليوسفي الذي اكد أنه لم ينفذ اعمالاً فنية منذ اندلاع القتال، لكن الحرب حضرت في مخيلته في صورة أفكار ومشاريع فنية. وينظر الى الحرب، بوصفها نكسة للعقل اليمني الذي أظهر بعض الحكمة خلال مؤتمر الحوار الوطني الذي استمر نحو 9 أشهر، وفي النتائج التي توصل اليها، بيد أن كل هذا انهار فجأة ليحل السلاح محل الحوار.

وإضافة الى انهيار سلطة الدولة واندلاع حرب اهلية هي الثانية منذ عام 1994، تسبّب الانقلاب بشق الوسط الثقافي والفني.

وانهارت قيم التعايش الوطني لمصلحة التخندق المذهبي والجهوي. وأشّرت الحرب الى هشاشة الثقافة المدنية الديموقراطية لدى النخب اليمنية. وتلفت العرشي الى لا منطقية المبررات التي قدمتها الميليشيا الإنقلابية وحلفاؤها عند غزو عدن ومدن اخرى. وتقول: «تارة يصفوننا بالدواعش وتارة بالكفار وأخرى بالقاعدة». وترى أن ما يحدث حرب مذهبية من جهة، وشمالية جنوبية من جهة ثانية.

وفيما يصف مثقفون وفنانون مؤيدون للميليشيا، تدخل دول التحالف العربي في اليمن بطلب من الحكومة الشرعية بأنه «عدوان»، يرى مثقفون وفنانون يقاومون السلطة الانقلابية أن المجتمع الدولي، لم يعد كما كان قبل انهيار جدار برلين وأن استخدام القوة للوصول الى السلطة لم يعد مقبولاً.

وتقول العرشي مستهجنة مواقف الأحزاب اليمنية المتهمة مع منظمة الأمم المتحدة في تمكين الحوثيين وصالح من الانقلاب والتمادي في استخدام العنف: «أمقت الأحزاب النِعام من دون استثناء». وبات جلياً أن لا حياد للفنان اثناء الحرب، وأن الخطابات المعادية للشوفينيات التي ترفعها عادة النخب الثقافية لا تلبث في اللحظات المفصلية أن تخبو وتتلاشى.

في وصفها رحلتها من حي كريتر، مقر اقامتها، الى منزل اختها في حي المنصورة الذي لجأت اليه، بعد اشتداد القصف على كريتر، تقدم العرشي عناصر ميليشيا الحوثيين في صورة سلبية في مقابل صورة ايجابية لعناصر المقاومة الشعبية. وتتمنى أن تفضي دوامة الحرب الى «سلام ووطن يتسع للجميع. وطن خال من طقوس رفع صور الحاكم الفرد والزعيم»، معتبرة أن التعليم والتنمية هما السبيل الأنجع لتجفيف منابع الحروب.