هدى الحسيني

خلال عامي المفاوضات، رمى الرئيس الإيراني حسن روحاني بمسؤولية المشكلات داخل إيران على العقوبات، جاء تطبيق الاتفاق، فقال في مؤتمره الصحافي: إن التحدي الوحيد لم يكن العقوبات، بل هناك مسائل اقتصادية أخرى.


المعروف أن إيران تعتمد بقوة على النفط، وسعره يتهاوى بسرعة، لذلك حاول روحاني أن يكون «صادقًا» مع الناس بقوله إن الأمر لن يكون سهلاً، وأراد أيضًا أن يكون «صادقًا» مع المتشددين عبر تهديده السعودية بموقف حازم (!) إذا لم تغير تصرفاتها، ثم «وعد بأن يبقى الاقتصاد المقاوم ضرورة لتحقيق التطور الاقتصادي».


في الولايات المتحدة، قال الرئيس باراك أوباما عن الاتفاق: «إن المنشآت الإيرانية ستكون خاضعة للمراقبة 24 ساعة لمدة 365 يومًا، وإن الاتفاق وضع طبقات كثيرة من التحقيق والتفتيش كي يتأكد أن إيران لن تستطيع تصنيع قنبلة نووية. لكن ليس معروفًا من سيكون الرئيس المقبل إن كان في إيران أو في الولايات المتحدة. وإيران، وإن كانت لا تعترف، فإنها دفعت ثمنًا غاليًا طوال السنوات الـ12 الماضية. إذن مع رفع العقوبات، تحولت إيران من الدولة الخاضعة للعقوبات، إلى دولة صاحبة البرنامج النووي الأكثر خضوعًا للمراقبة في العالم. لكن هذا ليس نهاية الطريق، إذ من هذه النقطة وصاعدًا يجب أن يتأكد الطرفان أن الاتفاق محافظ على بنوده، ثم لا توجد خطوات كبرى على الطرفين القيام بها قبل ثماني سنوات، عندما يتاح للوكالة الدولية للطاقة الذرية إعطاء إيران شهادة بأنها تخلت نهائيًا عن طموحها النووي، وعندها على إيران المصادقة على الاتفاق الدولي (البروتوكول الإضافي)، حتى ترفع الولايات المتحدة المقاطعة بشكل نهائي، لا تعليقها فقط. وهذه قصة بعيدة يمكن أن تتخللها الكثير من المفاجآت. ثم توجد مقاطعة أميركية غير مرتبطة بالاتفاق النووي.


هناك صراع على السلطة داخل إيران. سيحاول المتشددون الدفع المعاكس، لأن رفع العقوبات يعني سياسيًا انتصارًا كبيرًا لروحاني الذي سيخوض حلفاؤه الانتخابات البرلمانية الشهر المقبل، لهذا سيعملون على مواجهة التأثير الفوري لرفع العقوبات، وقد بدأوا. تصريح وزير الدفاع الجنرال حسن دهقان عن نوع جديد من الصواريخ الباليستية المصنعة محليًا.


من ناحية أخرى، ما زال هناك في إيران من يعتقد بوجوب مواصلة البرنامج النووي وتصنيع القنبلة، فهم يشعرون أن إيران ستخف قبضتها بسبب تعاطيها مع الغرب، خصوصًا أن الأجهزة الأمنية والعسكرية تفضل أن تكون إيران دولة في حالة التعرض دائمًا للخطر، فهذا يسمح للأجهزة بميزانية ضخمة، ثم إن قادة هذه الأجهزة يفضلون أن يحددوا المسارات الإيرانية، ولا يحبون أن يكونوا على الهامش يراقبون رجال الأعمال يقودون الأمور.
ولمن يعتقد أن رفع العقوبات يعني عودة إيران للاندماج بالنظام الاقتصادي الدولي، فإن الأمر لن يتحقق بسرعة على الإطلاق. مع رفع العقوبات زالت عناصر أساسية من نظام العقوبات الأوروبي (الولايات المتحدة سمحت لفروع الشركات الأميركية في الخارج بالاستفادة من رفع/ تعليق العقوبات)، وزالت العقوبات عن كل ما له علاقة بصناعة الغاز والنفط والبتروكيماويات. أما بالنسبة إلى النظام المصرفي، وهو مفتاح التجارة أمام إيران للانطلاق عالميًا، فإنه «نظريًا» تستطيع المصارف الأوروبية الدخول إلى السوق الإيرانية، و«عمليًا»: هذا لن يحدث لفترة زمنية، خصوصًا بالنسبة إلى المصارف البريطانية، إذ لا يوجد رئيس لمصرف كبير مستعد أن يقفز إلى السوق الإيرانية فورًا، حسبما تقول الغرفة التجارية البريطانية - الإيرانية في لندن، والسبب غسل الأموال. وبانتظار السيطرة على هذه الممارسة غير القانونية، فإن المصارف الكبرى لن تقترب. هناك قلق كبير بالنسبة إلى غسل الأموال وعلاقة المصارف الإيرانية بهذه الممارسة، ثم إنه من الصعب على المصارف الأوروبية أن تقوم بالتدقيق في إجراءات لكشف المتطلبات، لا سيما أن الكثير من مصارف المقاصة تم تغريمها من قبل الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية. لربما اعتقدت بعض المصارف أن الأوضاع مناسبة الآن ويمكنها بالتالي أن تبدأ بالتجارة مع إيران، إذ تمت معاقبتها في ظل العقوبات الثانوية الأميركية، واعتذرت ودفعت الغرامة، ودخلت في اتفاق تسوية.


لكن في ظل الكثير من اتفاقات التسوية، فإن المصارف البريطانية مثلاً وافقت على أن توقف بعض التعاملات مع إيران ولفترة طويلة من الزمن، وهذه الاتفاقات ما زالت قائمة ولم يتم إلغاؤها.


لذلك، فإن الشركات والمصارف التي كانت تراقب وتنتظر رفع العقوبات، تستطيع «تقنيًا» أن تدخل السوق الإيرانية، لكن في الحقيقة هذا لن يحصل بسهولة.


يقول مصدر في غرفة التجارة البريطانية - الإيرانية إن الفرص جيدة في إيران، وإن الإيرانيين مثلاً عطشى للبضائع البريطانية، ولا عقوبات تمنع تصدير البضائع إلى إيران، إنما لا يوجد مصرف في بريطانيا يسمح لهذه الشركات بتلقي الأموال من شركة إيرانية لا تزال خاضعة للعقوبات حتى الآن.


هناك خطران من العمل في إيران الآن؛ أولاً: الأنظمة الدولية لا تزال غير واضحة حتى مع رفع العقوبات.


ثانيًا: داخل إيران قد تجد الشركات الأجنبية فئات تعمل ضدها.


يبلغني محدثي أنه على الشركات أن تكون حذرة جدًا من «الحرس الثوري»، فهذا لم يتم رفعه عن قائمة العقوبات أو قائمة تجميد الأموال، وهذا يعني أنه لا يمكن التعامل مع أي شركة في إيران يملكها أو يسيطر عليها «الحرس الثوري».


قد يسأل سائل في عالم التجارة من هو «الحرس الثوري»؟ وكيف يمكن تحديد سيطرته على الشركات؟ لا يمكن للشركات الأجنبية أن تبحث عنه في قائمة الشركات المسجلة إيرانيًا أو على قائمة أصحاب الحصص وتجد صاحب حصة يدعى «شركة الحرس الثوري المحدودة».


في الواقع فإن «الحرس الثوري» يسيطر على جزء ضخم جدًا من الاقتصاد الإيراني، وكانت الولايات المتحدة أعلنت خطيًا أن شركة تدعى «تايد واتر» تملك معظم المرافئ الإيرانية التي يملكها ويسيطر عليها «الحرس الثوري».


إذن الأغلال لا تزال موجودة. يمكن للشركة الأوروبية مثلاً أن تصدر كل شيء تقريبًا إلى إيران، لكن عندما تشحن هذه البضائع سيتم تفريغها في مرفأ إيراني، وهذا يقتضي بالطبع دفع مبالغ مالية لمالكي المرفأ، والمفترض أن تكون شركة «تايد واتر» القابضة، وهذا سيكون ممنوعًا.


وهكذا فإن الأمور لا يمكن التنبؤ بها في عالم الأعمال في إيران. ثم إذا ما قرر الكونغرس، بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية إعادة فرض العقوبات، فماذا سيحل بالشركات التي تكون قد دخلت إلى إيران؟
وإذا راجعنا بنود الاتفاق النووي، فإنه ينص على العودة إلى المقاطعة إذا لم تلتزم إيران بما وقّعت عليه، وقد تعود المقاطعة بسرعة إذا كان المسؤولون الجدد مع الإدارة المقبلة أقوياء لإعادة فرضها. لذلك فإن الشركات الدولية تفكر عميقًا وطويلاً قبل الدخول إلى الأسواق الإيرانية.


من أجل التوصل إلى الاتفاق، توافق كبار السياسيين والأحزاب في إيران على دعمه، إنما يظل المتشائمون يقولون إن أميركا لن تحترم الالتزامات، وهذا يعني أنه في الأشهر المقبلة وفي السنة المقبلة بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية ستتضح الصورة أكثر.

أما في إيران، فإن الانتخابات النيابية هي سياسة داخلية بحتة، ومن الصعب التكهن كيف ستسير الأمور. ويبقى المفتاح بيد المرشد الأعلى خامنئي، لكن المشكلة أن الأبواب التي حمت وتحمي المرشد ومنصبه وسلطته كثيرة، وهي متراصة ويعلو مزاليجها الصدأ. وإذا فتح المرشد بابًا لتسهيل انسياب الاتفاق قد تهب منه رياح غير اعتيادية. وصف مراقبون تطبيق الاتفاق بالنسبة إلى إيران بـ«الانفجار الكبير» (Big Bang)، وما علينا إذن سوى الجلوس على حافة النهر.
&