&عبدالله بشارة

&أقدّم، في ذكرى التحرير، موجزا مختصرا عن تركة الغزو:

أولا: حفر التاريخ واقعة الغزو ليس فقط في حقائق الحياة، وإنما حفرها أيضا في ضمير وعقل المواطن الذي تبدل كثيرا وخرج من تلك المأساة مختلفا، مجروحا من ذلك الاذلال، وغاضبا من سهولة الغزو، ومن انهيار الجدار الواقي الذي تأسست قناعة هذا المواطن على صلابته، متصورا بأن العرب لا يغزون بعضهم، بعد أن امتلأت «مصارينه» بوهم الأمن العربي الموحد وسريالية التضامن والتعاضد العربي، ولم تنحصر الأوهام في حالة المواطن، وانما عاشتها حكومته التي اطمأنت لتأكيدات الوسطاء، واثقة من رصيدها الاستثنائي، حيث ربطت مصير الكويت بالقوة المعنوية لشبكة العلاقات التي شيدتها مع مختلف عواصم العرب، وملأتها بالعطاء والنخوة السياسية والطيبة الملائكية، ولم تقتنع الكويت، حكومة وشعباً، بأن دبلوماسية الجوار العربي كلها قبح وتآمر ولي ذراع.

ثانيا: مشاجرات وعنف والتسلح بالسكاكين في «هوشات» الأسواق عنوان بارز للاستخفاف بالقانون، مع ضياع هيبة الدولة والاستقواء عليها بالبلطجة والخداع، مع انتشار فساد استوطن عند الصغار والكبار، وهتك براءة الضمير وتطاول على قوانين الحكومة، نهبا لأراضيها ونشلا لأرصدتها وتحايلا على جنسيتها، مع تراجع الأداء السياسي والوظيفي وانكماش مشروع التطوير والتنمية، هذا واقع مؤذٍ يعبّر عن حالة تمرد أفرزتها صدمة الغزو.

ثالثا: لن يطمئن شعب الكويت على أمنه وسلامة وطنه واستقراره وحريته، من دون ترابط تعاقدي أمني مع الأصدقاء التاريخيين الملتزمين بأمن الكويت، من الذين شاركوا مسيرة الكويت منذ بروز هويتها في مطلع القرن العشرين، متمثلا في بريطانيا، وتشاركها الآن الولايات المتحدة، وليس بمقدور الكويت بمفردها أن تجهض أطماع الجوار، ولن يقبل شعب الكويت غياب هذا الرادع العالمي الملتزم، فلا مجال لترك سلامة الكويت للبيانات الدبلوماسية التي اعتدناها، وكانت وسيلة تستر لنوايا عدوانية فشلنا جميعا في تشخيصها.

رابعا: من حق الأصدقاء المرابطين كشركاء في الدفاع عن الكويت؛ أن تتناغم الكويت سياسيا وترحب بهم تجاريا، وتمدهم بشبكة من الترابط الثقافي، وتمنحهم الأولوية في المشاركة في برامج التنمية، وتنفتح على مؤسساتهم التعليمية، وهنا أشيد بالثناء على الكراسي التي أسستها الكويت في جامعات بريطانيا وأميركا مع رعاية مستقرة لمناهج عن تاريخ الكويت والحضارة العربية الاسلامية، مع الأمل بزيادتها في عواصم القرار العالمي.

خامسا: يبقى النظام الدستوري حارسا يطمئن له شعب الكويت بكل ألوانه وأطيافه، فقد آمن المواطنون بدور الدستور المتميز في استقرار الوطن وفي ترسيخ الشرعية التاريخية للحكم، وأدركوا قيمة الدستور في اطفاء حرائق الصراعات المذهبية، وتأكيد مكانته كوسيلة فريدة في بناء جسور الحوارات بين أبناء الشعب، وهم في واقعهم، بعد التحرير، أكثر حماية وحرصا على دستورهم؛ لأنه الحافظ على سلامة البلد الداخلي واستقراره السياسي والاجتماعي.

سادسا: اختفت الأيديولوجيات البعثية والقومية المتطرفة، كما تلاشت تبعياتها من شيوعية وفاشستية، وتغلغلت المفاهيم الحديثة في واقع دول الخليج، ودخلت الدول العربية الأخرى في محاسبة مهندسي الانقلابات العربية، وتنظيف مخلفات أنظمة الاستبداد العسكرية والحزبية الابتزازية بعد فشلها فكراً وإدارة وقيادة، مخلفة الهزائم والخراب.

ونجحت دول الخليج ممثلة في مجلس التعاون في تبني المشروع العربي الجديد، في إقامة أنظمة متفتحة ستتأكد في اليمن والعراق وسوريا مستقبلاً، كما تأكدت في مصر، مع اعتراف بثبات الدولة الوطنية من دون مزاحمة من سراب الوحدة، كما أشغلتنا في العقود الماضية.

هذه الحقيقة هي عائد تاريخي تحصل عليه دول الخليج، معمقاً هويتها ومثبتا عنوانها الوطني من دون تسلل لشعارات لا تساير فلسفتها التاريخية.

وتظل كلمة وفاء واعتزاز في حق شهداء الوطن، الذين تحدوا جحافل الجهل والتخلف، ووقفوا بكبرياء في حياة الكويت.