&محمد خلفان الصوافي

قلق دولة الإمارات على الوضع السياسي والإنساني السوري ينبع من الإحساس بمسؤوليتها القومية والأخلاقية، وهو قلق في محله تماماً، على اعتبار أن تجربة العراق بعد عام 2003 ما زالت حية، وبالتالي ينبغي على العرب التحرك من أجل قرار رشيد، ومن أجل إعادة النظر في كيفية التعامل العربي مع التحديات التي نواجهها. هذا القلق عبرت عنه وزارة الخارجية الإماراتية في بيانها الصادر مؤخراً من خلال إدانتها للقصف الجوي الذي طال «مستشفى القدس» بمدينة حلب العريقة، وأدى إلى مقتل العديد من الأطفال والأبرياء والأطباء.

وقد حذر البيان من استمرار «السلبية» العربية والدولية بطريقة قد تؤدي إلى تدهور الوضع الإنساني هناك، لأن الأمر لم يعد سورياً فقط، وإنما عربي بشكل أدق، وإلا فسيكون السيناريو العراقي هو البديل، خاصة وأن «تغلغل» إيران في الداخل السوري بات واقعاً بعدما أرسلت قوات برية خاصة للدفاع عن مصالحها هناك، وبعدما عين المرشد الأعلى للثورة للإيرانية، أبو الفضل الطبطبائي، ممثلاً له في سوريا قبل يومين.

وبيان الخارجية الإماراتية مثّل قاسماً مشتركاً مع الدول الخليجية، وكانت نتيجته عقد اجتماع عربي طارئي (اليوم) على مستوى المندوبين لمناقشة التصعيد العسكري في سوريا، كما مثّل «دعوة ملحة» للمجتمع الدولي من أجل تحمل مسؤوليته الحقيقية تجاه ما يحدث في سوريا، في صورة تذكرنا بما كان يحدث في البوسنة والهرسك على يد الصرب من انتهاك لحالات إنسانية.

الموضوع من ناحية اللغة السياسة أو لغة المصالح، هناك صراع على «حلب»، أكبر المدن السورية، بين النظام السوري المدعوم من روسيا وإيران وبين المعارضة (بتشكيلاتها الدينية والسياسية المختلفة) والمدعومة من تركيا تحديداً، وذلك من أجل تعزيز كل طرف كفته في ترتيب مفاوضات جنيف حول المرحلة الانتقالية، وبالتالي فإن الذي يحدث من الناحية الإنسانية لا يبريء أحداً من أطراف اللعبة السياسية. وطبقاً لنفس اللغة، فإن نقطة الضعف العربية في الوضع السوري هي عدم وجود موقف سياسي عربي واحد يمنع محاولة اللاعبين الإقليميين والدوليين من تفتيت سوريا على شاكلة ما هو حاصل في العراق حاليا، لهذا فإن الأمل معقود اليوم على الاجتماع العربي للخروج بموقف عملي يساهم في إيجاد حل عربي للوضع السوري.

يبقى أن النقطة المهمة في اجتماع اليوم، كي لا يستمر القلق العربي على الوضع السوري، هي عدم الارتهان للموقف الأميركي، سواء كونه الداعم الرئيس للمعارضة أو كونه الراعي الشريك لمحادثات السلام في جنيف، وذلك لأسباب أهمها أن اهتمامات الإدارة الحالية في المنطقة تميل ناحية إيران، وبالتالي فإن مسألة تقديم تنازلات في غير مصلحة العرب أمر وارد، كما أن التركيز حالياً منصب في الداخل الأميركي على الانتخابات وليس على السياسة الخارجية، ويتوقع أن يستمر هذا التجاهل لأكثر من ستة أشهر على الأقل لحين قدوم رئيس جديد، لهذا فإن الخروج بصيغة عربية قد يكون أقرب للواقع منه إلى ارتهان القرار في أيدي الباحثين عن تقسيم المنطقة.

التاريخ العربي لا يذكر لنا أنه تم التعامل مع قضايا داخلية عربية بهذه الدرجة من اللامبالاة والسلبية، حتى أثناء ما كان يطلق عليه «الربيع العربي»، بل هناك لوم وقلق عربي حقيقي لفقدان العرب زمام المبادرة في المنطقة، وكذلك فقدان الإرادة السياسية في تحديد مستقبل المنطقة التي ربما تتحول لتصبح في أيدي الآخرين، لهذا هناك من يعتقد أن الوقت قد حان لأن يدرك العرب أن مصير الشعب السوري والدولة السورية يوشكا أن يصبحا في مهب الريح، والسبب «تعنت النظام» وعناده في تقديم تنازلات سياسية لشعبه. لهذا فإن المسؤولية تتطلب موقفاً إقليمياً عربياً كمشروع لقرار يحرج فيه المجتمع الدولي أخلاقياً، لأن الجميع مسؤول عما يحدث في سوريا، طبقاً لصراع المصالح المحلية بين المعارضة والحكومة، وإقليمياً بين تركيا وإيران، ودولياً بين الولايات المتحدة وروسيا.

أمل الشعب السوري اليوم فيتمثل في تغيير قناعة الإنسان العربي بأن النظام السياسي العربي (الجامعة العربية) يعيش أردأ مراحله التاريخية، وذلك من خلال الخروج بموقف عربي موحد يذكرهم بمواقف عروبية مجيدة سابقة!