&&سؤال حقوق الإنسان والحريات الجماعية والفردية محور الجدل الدائر في الشارع المغربي
&
أحلام يحيى
&&على بعد شهور قليلة من إنهاء حكومة عبدالاله بن كيران لمهامها كأول حكومة نتجت عن حراك الربيع العربي في نسخته المغربية سنة 2011 طفا على سطح النقاش سؤال حقوق الإنسان والحريات بشقيها الجماعية والفردية خصوصا في ظل تقارير المنظمات الدولية والوطنية والأحداث والتطورات الاجتماعية التي عرفها المغرب كتعنيف مثليين في مدينتي فاس وبني ملال، وأحداث اعتداء على فتيات بسبب لباسهن كواقعة «فتيات انزكان» نواحي مدينة أغادير. وهو ما صار يصطلح عليه بقضاء الشارع الذي يتجاهل قوانين وتشريعات البلاد.
وأصدرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهي جمعية مدنية مستقلة تقريرها السنوي حول واقع الحقوق والحريات تصف في الوضع بالمقلق وبأنه شهد تراجعا في المكتسبات التي حققها المغرب في مجال حقوق الإنسان.
وفي حديث إلى «القدس العربي» قال احمد الهايج ارئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان: «إن وضعية حقوق الإنسان في المغرب باتت مقلقة بالنظر لما رصدته الجمعية من تجاوزات وانتهاكات سواء عبر مكتبها المركزي أو ما تتلقاه فروعها بجميع المدن من شكايات وتظلمات أو من خلال تتبعها لما تتناقله وسائل الإعلام بالإضافة إلى تقارير باقي الهيئات والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية».
وأضاف أن الجمعـية تطرقت لهاتــه الانتهاكات في تقريرها لسنة 2015 وخاصة منها المتعلـــقة بالحـــق في التجمع والتنظيم والتظاهر السلمي وحرية التعبـــير والصحافة بالإضافة إلى الحريــات الفـــردية علاوة على ما تعرفه الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية من تدهور أو بالنسبة لبعض الفئات المجتمعية كالمرأة والطفل والأشخاص في وضعية إعاقة والمهاجرين.
وأشار رئيس الجمعية إلى أن التقرير السنوي تضمن تشخيصا لأوجــه القصــور والانتهـــاكات وأيضا التأثير السلبي الذي ينجم عن السياسات العمومية التي اتخذتها الدولة على الصعيد الاقتصادي أو المؤسساتي .
وفي تعليقه على ما أصبح يصطلح عليه «قضاء الشارع» حيث لجأ بعض المواطنين في مدن مختلفة إلى معاقبة المخالفين للقانون في إطار ما يصطلح عليه بـ «شرع اليد» أو من باب تغيير المنكر باليد في اعتقادهم، قال الهايج أن هذا السلوك هو بسبب التأثر بالخطاب الأصولي والمتطرف المتفشي في المجتمع وهو ما ولد أفكارا وسلوكات يقوم من خلالها المواطنون بتحقيق عدالة الشارع وهذا يعيدنا سنوات إلى الوراء حيث كان الناس يقتصون لأنفسهم دون اللجوء إلى مؤسسات الدولة المختصة.
كما اعتبر أن إنصاف الدولة لبعض المعتدى عليهم كما هو الحال بالنسبة لمثليي بني ملال والذين حوكما بالحبس موقوف التنفيذ يعد مجاملة منها للمواطنين وهو أمر إيجابي رغم أن الدولة تبقى مقصرة في مجال إعمال القانون بشكل فوري في مثل هذه الحالات، مؤكدا في الوقت ذاته على إيجابية المتابعة المتيقظة والضاغطة للشباب الذين يطلقون حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمؤازرة حقوق الإنسان والتنبيه للانتهاكات التي تتم في حق بعض المواطنين.
وفي تقييمه لحصيلة حقوق الإنسان في عهد الحكومة الحالية أضاف الهايج لـ«القدس العربي»: «بدون مزايدات سياسية أرى أن سجل الحكومة لم يكن مشرفا في مجال حقوق الإنسان حيث عرفت بلادنا انتكاسا كبيرا لم تشهده الحكومات السابقة ولم تعرفه البلاد حتى في ما يعرف بسنوات الرصاص وهو الأمر الذي لا يعتبر مؤشرا إيجابيا لدى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان».
غير أن الباحث والمحلل السياسي ادريس الكنبوري كان له رأي آخر حول حصيلة حكومة بن كيران على مستوى الحريات حيث قال في تصريحه لـ«القدس العربي» « أرى أنه قد حصل نوع من الإنفراج في ما يتعلق بحريات التعبير والرأي خلال هذه الحكــومة وبيان ذلك أن ما كتب ضدها يفوق بعشرات الأضعاف ما كتب عن الحكومات السابقة في تاريخ المغــرب فحجــم الانتقادات التي مست هــذه الحكــومة، والتي وصلت في أحيانا كثيرة حد المساس بأشخاص معينين فيها، كبير جدا مقابل ذلك لا نجد أن الحكومة لجأت إلى القضاء، إلا في حالات خاصة جدا، غالبيتها من طرف وزراء ليسوا من الحزب الحاكم، وأعتقد أن الحكومة تتعامل مع وضعية حقوق الإنسان باعتبار أن المغرب في وضع انتقالي بعد الدستور الجديد وبعد الربيع العربي، وتقدر أنها أول حكومة بعد هذا الربيع، وأول حكومة يقودها حزب إسلامي، لذلك فهي تتصرف بنوع من البراغماتية».
وبخصوص بعض التدخلات الأمنية ضد متظاهرين كاحتجاجات الأساتذة المتدربين والطلبة الأطباء أضاف الكنبوري: «هناك بالفعل بعض الأحداث التي حصلت، والتي تمس بالحريات وحقوق الإنسان، وخرج بعدها رئيس الحكومة ينفي علمه بما حصل وينفي أن يكون وراء بعض القرارات التي صدرت بالتدخل الأمني، وإذا لاحظنا أن الحكومة الحالية لديها مشكلة في الانسجام يمكننا أن نفهم أن وضعية حقــوق الإنســان تأثرت بهذه الحالة السياسية، أما التقارير الدولية فلا أعتقد أنها يمكن أن تكون أساسا يقاس عليه الوضع العام لحقوق الإنسان، فقد حصلت مبالغات في بعض هذه التقارير، اعتبرها المغرب مساسا بسيادته وقراراته الداخلية».
من جهة أخرى أضاف الباحث في العلوم السياسية إدريس القصور معلقا على حصيلة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان السنوية لـ «القدس العربي»: «تقرير الجمعية فيه الكثير من التهويل بخصوص الوضعية الحقوقية في المغرب على اعتبار أن التقرير الذي أصدرته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لم ينبن على أسس وقواعد موضوعية بل جاء كرد فعل سياسي راديكالي موجه ضد الدولة حيث تضمن التقرير المصطلحات والحمولة نفسها التي تضمنتها التقارير السابقة للجمعية وهو ما يفسر حسب تصوري النوايا المبيتة لأعضاء الجمعية تجاه النظام والدولة المغربية والذين يعبرون في تقريرهم عن موقف سياسي بعيد كل البعد عن الموقف الحقوقي الذي يتوجب فيه أن ينبني على معايير موضوعية ووقائع ثابتة .
وأضاف أن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أنطلقت في صياغة تقريرها من مرجعية غير صحيحة، فمصادر خبرها هشة ولها بعد سياسي أكثر منه حقوقي وأن تعاطيها مع حقوق الإنسان بهذا التصور خاطئ وفيه كثير من التضخيم والمبالغة والتهويل وبناء الأحكام على معطيات غير صحيحة ويركزون على الجانب السياسي لأنه الأسهل في تجاهل تام للحقوق الثقافية والاقتصادية التي قفز عليها التقرير.
كما أشار المحلل السياسي إدريس قصوري، إلى أن الدولة المغربية جـــادة في تعاطـــيها وبشـــكل إيجابي مع ملف حقوق الإنسان وليس لها أي إرادة لقــمع الحقوق والحريات بل لها إرادة في تأطيرها بنجاعة حقوقية وسلطوية، من خلال العمل الذي يقوم به المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي يشتغل بدينامية في هذا المجال وكذلك من خلال فروعه في مختلف المدن والجهات حيث أن عجلة حقوق الإنسان تسير بشكل صحيح إلى الأمام وهذا ما يستشعره المواطنون حاليا.
وعن ما أصبح يصطلح عليه «قضاء الشارع» بعد أحداث الاعتداء على مثليي مدينة بني ملال وفاس ومشعوذة مدينة سلا قال إدريس قصوري أن الدولة مطالبة بتحمل مسؤولياتها من خلال إعمال الأمن والقضاء وأن تطبق القانون بصرامة والضرب بقوة على الأشخاص المعتدين حتى لا نترك المجال لأي شخص في تطبيق شرع يده.
وفي مناسبة الإعلان عن تأسيس النسيج المدني للحقوق والحريات الذي ضم عددا من الهيئات الحقوقية والمدنية، قالت خديجة المروازي الحقوقية والأستاذة الجامعية أن مردودية الحركة الحقوقية محدودة مقارنة مع التزامات المجتمع الحقوقي ممثلة في خلق ديناميكية حقوقية ومساءلة الدولة وتقييم سياساتها في مجالا الحريات وحقوق الإنسان. ومن هنا جاءت فكرة جمع شتات الحركات الحقوقية المغربية ضمن نسيج متكامل من أهدافه تقييم منجزات الحكومة وتطوير النقاش العمومي في قضايا الحريات وحقوق الإنسان. ورصد الإنتهاكات.
ودائما في ظل الحراك الحقوقي الذي يشهده المغرب قرر ناشطون مغاربــة يمثلون أقليـــات دينــية وفكـــرية وجنسية تأسيس هيئة مدنية أطلقوا عليها اسم «تنوير» تستهدف حـماية الأقليات وصون الحريات الفردية وتعمل بتنسيق مع الأحزاب السياسية عبر عقد سلسلة لقاءات مع أمناء الأحزاب العامين لإيجاد خطط عمل مشتركة.
ومــن بين أهدافها أيضا محاربة التطرف الديني ومجابهة الحركات والهيئات الدينية التي ساهمت حسب مؤسسي الهيئة في نشر قيم ظلامية تنبذ التسامح وتشجع على المزيد من التضييق على الحريات.
&
«تنوير» لمواجهة التطرف وحماية الأقليات
في حديثه إلى «القدس العربي» قال جواد الحاميدي العضو المؤسس في حركة «تنوير»: «وضع الأقليات في المغرب هو مشكل عويص، فالدولة لا تريد الإعتراف بالفرد المختلف عن الأغلبية في الدين أو الميول الجنسية، فينبذ هذا الفرد ويعتبر على هامش الدولة، وأحيانا تلحق به السلطة الأذى تحت ذريعة الفصل 220 من القانون الجنائي «زعزعة عقيدة مسلم» أو «الإنحلال الأخلاقي» هذا بالإضافة إلى المجتمع الذي يعنف ويضطهد هذه الأقليات بسبب ميولها الجنسية أو حتى اللباس. ويضيف «الشرعية المدنية مفقودة، وهوما أدى إلى عدم الإعتراف بالأفراد المختلفين وبحقهم في اختيار الدين الذي يستجيب لحاجياتهم المادية والروحية ويرونه مناسبا لهم، ونمط حياتهم فيما يأكلون ومتى يأكلون وما يشربون وما يلبسون، وكيف سيغنون أو يخرجون أفلامهم. هذه الحقوق والحريات الفردية غير موجودة فعليا، والدليل أن الدولة تعتبر الخارجين من الدين خارجها، إذا خرج أحد المواطنين من الدين الذي تحتكره الدولة، الحريات الفردية غير موجودة لأن «إسلامية الدولة» الموجودة في الـدستور تستغل سلبا من قبيل القوى الإسلامية المتطرفة والموجودة في الحكومة حاليا، إضافة إلى السلطة التي تعبث أحيانا بالدين في المجال السياسي. وأتذكر في هذا الصدد، حينما اعتقلت السلطة مسيحيين مغاربة حكمت عليهم بسنوات لأنهم غيروا الدين، خرجت حركة دينية تسمى «التوحيد والإصلاح» تابعة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، تنوه بالأجهزة الأمنية التي اضطهدت مواطنين وطردت مبشرين.
ما يثبت أن الدولة والقوى المحافظة تتحالف أحيانا مع هذه القوى الإسلامية. فالمجلس العلمي العالي وهو مؤسسة رسمية، قال في رأيه فيما يتعلق بحرية المعتقد «من بدل دينه فاقتلوه». الدولة لا ترعى جميع الديانات والمواطنين الموجودين في مجتمعها بشكل محايد، وتدخل لتفرض دينا وتعاقب على دين وعلى اختيارات خارجة الأغلبية.
أما الحكومة، فهي تمنع الأقليات الدينية من تسمية أبنائهم بأسماء مسيحية مثلا، وتطالبهم باسم الإسلام وتقتحم بيوتهم، وتستنطق المثليين في مخافر الشرطة وتقتحم بيوتهم، وتحاكم الناس لأنهم شربوا الماء في رمضان في حديقة أو شارع. ورفض حزب العدالة والتنمية الحاكم، إضافة حرية المعتقد في الدستور، وهدد بالنزول للاحتجاج في الشارع إذا أضافت الدولة «حرية المعتقد» في الدستور».
وعن بعض الأحكام التي عاقبت من عنف المثليين وأنصفت فتيات تم الإعتداء عليهن بسبب اللباس أضاف الحاميدي «أعتقد أن الدولة المغربية أدركت الآن خطر مثل هذه السلوكيات السلطوية والقوانين التمييزية والعنصرية التي لا يمكن أن تكون إلا دعما للمتشددين الـدينيين في ظرفية تتسم بالإرهاب والتخريب ومظاهر الذبح والوحشية، ولهذا فضلت الدولة المغربية، مؤخرا، ترشيح نفسها أن تكون بلدا استثنائيا في المنطقة، وتسعى أن تتصدر في مراجعة مقررات التربية الإسلامية بتكوين الأئمة في الوسطية والاعتدال، وتكريم اليهود وديانتهم.
وإعلان مراكش للأقليات الدينية، وعلى المغرب، أيضا، إعطاء الحق للمسيحيين في أن يمارسوا شعائرهم الدينية في الكنائس. وحماية المثليين من الاعتداءات التي يتعرضون لها في منازلهم وفي الشوارع، وتوعية الناس ألا يعنفوا الفتيات في الأسواق العمومية بسبب لباسهن» حسب تعبيره.












التعليقات