&صالح زياد& &

التغير في الظروف الاقتصادية والدولية لا يكفي وحده من غير تبلور إرادة سياسية، لإحداث تحول إيجابي في المجتمع. ويمكن لهذه الظروف من دون حدوث الإرادة السياسية أن تخنق المجتمع

قلت في نفسي: يا لها من لحظة مضيئة! أعني اللحظة التي نحاول فيها امتلاك لغة جديدة تتحدث عن التحول والتغيير، عن "رؤية المملكة 2030"، وفي الوقت نفسه الحديث عن مؤامرة خارجية؛ أميركية هذه المرة (لمن يعشقون مصطلح المؤامرة!). فلا يمكن لأي أمة أن تبني نهضتها وأن تحقق ذاتيتها وقدرتها على الفعل والإسهام الحضاري، من دون استحضار شبح العدو. وأمة بلا أعداء هي أمة خاملة وخارج المعنى التاريخي الذي لا يكون تاريخياً من غير اصطراع يصنع الزمن ويجلو قسماته.

وهذا الكلام يثير، لأول وهلة، سؤالاً اعتراضياً: متى خلا الجو للمملكة وللعرب والمسلمين من الأعداء؟! بل هل يمكن أن نتصور أمة بلا أعداء؟!

الحُجة التي يبني عليها هذا الاعتراض دحضه لوجاهة الحديث عن العداوة بوصفها عاملاً إيجابياً في استدعاء النهضة وبلورة عزيمتها، هي نفي الجِدَّة عنها؛ فالأعداء كُثر منذ كان الاستعمار يفرض سلطته بالقوة المباشرة على غير بلد عربي، إلى أن قامت إسرائيل، بتواطؤ أممي، باغتصاب أراض عربية وتهديد دائم لأمن المنطقة... إلخ. وعلى رغم ذلك، فإن هذه العداوة لم تثمر النهضة والتقدم ولم تصنع لأي دولة عربية ما استطاعت ماليزيا وإندونيسيا والبرازيل – على سبيل المثال- أن تصل إليه من تقدم اقتصادي وتقني، وهي دول لم تبدأ نهضتها إلا منذ عقود.

هذا صحيح طبعاً، ولكن صحته تلفتنا إلى مسألة أخرى – فيما نحن بصدده- هي طبيعة الوعي بالعدو، سواء في تمثل نوعيته من حيث هو عدو مختلف، أم في العلاقة معه. والأهم من ذلك هو الوعي بالذات الذي لا ينفصل عن وعيها بالآخر، وضمن هذا الآخر يتنزل العدو النوعي الذي يصنع وعي الذات المختلف بذاتها.

لا نقصد بصفة العدو، هنا، العداوة بمعناها المباشر: الكراهية والقتال، بل بمعنى أخف من ذلك، هو الشعور بالتحدي وانتفاء الاطمئنان، وهذا هو المعنى الذي يستثير يقظة الذات.

كانت العلاقة بين المملكة وأميركا، ولا تزال، علاقة تحالف ومصالح مشتركة. وامتلاك المملكة للبترول سبب قوي للعلاقة. ولكن خطأ ما سبَّبه وسبَّب الكثير من أخطاء وعينا نحن السعوديين بذاتنا الوطنية، الاغترار بنعمة البترول، ومَرْكَزَتها في حياتنا. فتوهَّمنا أو توهَّم بعضنا أن أميركا في حاجتنا، أو أن علاقات السياسة لا تتبدل بتبدل المصالح والأحوال. واتكأ الكثيرون على وهم حراسة أميركا لأمننا، وسهرها على استقرارنا... إلخ.

الوعي الجديد الذي بدأ في التخلق ينقض هذه الأوهام؛ فتبدو أميركا أقل اكتراثاً بنا مما توهمنا. وهي – بالأحرى- ليست أقل اكتراثاً فحسب، بل إنها تتحول إلى موقع الخصم لنا. وإذا كنا قد وجدنا مفاجأة ما في الاتفاق النووي مع إيران (يوليو 2015)، الذي ينقلها، وهي المنافس التقليدي للمملكة في المنطقة، من معسكر الخصم إلى أحضان الحليف لأميركا، فإن إحجام أميركا –مثلاً- عن التدخل ضد وحشية نظام الأسد وحلفائه في سورية، وحديث أوباما إلى مجلة "ذا أتلانتيك" (أبريل 2016) الذي أبان عن رؤية نقدية وأقل تعاطفاً تجاه المملكة ودول الخليج، يكفي لتوديع تلك الأوهام والاستيقاظ على واقع كان ينبغي أن نتحسب له من قبل.

هذا الواقع الجديد أكثر وضوحاً وتحدُّداً في ضوء حَدَث جديد هو القانون المسمى "العدالة ضد رعاة الإرهاب" الذي أقره مجلس الشيوخ الأميركي في 17 مايو 2016. وقد أتاح الحديث عن المملكة إعلامياً وسياسياً وكأنها وحدها المتهم الذي صُنِع هذا القانون لمقاضاته. ولماذا الآن بعد مضي 15 عاماً على أحداث 11 سبتمبر 2001؛ الأحداث المعنية بالإرهاب في هذا القانون!

تبلور وعي جديد –على هذا النحو- في العلاقة بأميركا، متزامن مع وعي جديد بتغير موقع البترول، مرتكز القيمة الاقتصادية للمملكة، في خارطة موازين القوة. وهذا هو الوعي الذي تمخضت عنه "رؤية المملكة 2030"؛ أي الترامي إلى خلق اقتصاد متنوع في مصادره، ورغبة في إحداث نهضة اجتماعية وثقافية وتشريعية شاملة تُحلحل مشكلات المواطن التي تتفاقم تجاه العمل والسكن والاستثمار والترفيه... إلخ وتستدعي تمثُّلاً فاعلاً لمعنى الوطن وحس الوطنية، وحضوراً للآخر المختلف وانفتاحاً عليه.

لماذا تأخرت هذه الرؤية إلى الآن؟ ولماذا حضرت؟

لقد تأخرت – فيما أحسب- بسبب مَرْكزة البترول في حياتنا، ومن ثم تسلُّط الأوهام الناتجة عن الاقتصاد الريعي: أوهامنا تجاه ذاتنا وأوهامنا تجاه علاقتنا بالعالم خصوصاً الاتكاء على أميركا. وربما تكون هذه الأوهام أصعب عائق في سبيل تحقيق هذه الرؤية؛ لأنها ترسخت في الثقافة، وانعقدت بينها وبين الثقافة التقليدية أواصر القوة، واستدعت ما يملأ الفراغ الذي يخلقه الاقتصاد الريعي من مناشط وهواجس ونرجسية وتصدعات، وغدت تتبادل مع محورية البترول الاعتماد، حتى أصبح تصور مجتمعنا من غير بترول أمراً يصعب علينا استيعابه.

ولذلك فإن القرار السياسي هو أساس هذا الحضور، ومنعطف تبلوره: أي وجود قيادة سياسية تصنع إرادة التحول وتهتبل فرصة الظرف التاريخي. فالتغير في الظروف الاقتصادية والدولية لا يكفي وحده من غير تبلور إرادة سياسية، لإحداث تحول إيجابي في المجتمع. ويمكن لهذه الظروف من دون حدوث الإرادة السياسية أن تخنق المجتمع وأن تزلزله إلى أمد قد يطول.

إنها لحظة مضيئة، كما قدمت في صدر المقال، تلك التي نكتشف فيها ذاتنا التي كانت محجوبة عنا بحجابين صفيقين: أولهما الاعتماد على البترول، حيث الاقتصاد الريعي الذي يتشارك مع الثقافة التقليدية، في إضعاف حضور الفرد في مجتمعه. والثاني الركون إلى أميركا التي تحتاج البترول ونحتاج نحن إلى قوتها وضماناتها.

اللحظة المضيئة الآن هي لحظة عارية من هذين الجلبابين اللذين قيَّدا حضورنا في الزمن وأعاقا تفتُّح وعينا على العالم: هي نحن أمام العالم، ونحن مع العالم.