قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

علي سعد الموسى

&

كتب العملاق العربي اللبناني، إيليا أبوماضي أعظم وأبلغ وجدانيات الشعر العربي، ماروني مسيحي لم تخل بعض قصائده من الإشادة والتمجيد وحتى الفخر بكثير من رموز التاريخ الإسلامي، وللمفارقة، كان يكتبهم من مهجره الأبدي النهائي في نيويورك، ومن أمام تمثال الحرية، وأنا أقول هذا حتى لا يرد أحد بأنه كان يتلطف أو يجامل. تسأل عن سبب هذا التصالح مع النفس وسأرد فوراً: لأن هذا الشاعر العملاق عاش في زمن المجتمع المتصالح المتسامح. ولد إيليا أبوماضي في لبنان عام 1888 وتوفي في نيويورك عام 1957. عاش نصف القرن الماضي يوم كانت المجتمعات على الفطرة السوية التي ربت بها لألف وثلاثمئة سنة من جوار الأديان السماوية الثلاثة وانفتاح أتباعها على بعضهم البعض. كان المسيحي المصري واللبناني يصنع طعام إفطار رمضان لجاره المسلم، وكان رأس بيروت حيث الأغلبية المسلمة يبدو خالياً في ذلك الزمن لأن العائلات المسيحية تدعوهم إلى الأشرنية و(برمانا) في ليلة رأس السنة. وحتى في قريتي الصغيرة، لا زلت أتذكر مرويات عمي الذي كان طاعناً في السن، وهو يتحدث عن طفولته عندما كان يهود اليمن يصنعون لأهل القرية بعض ضروريات الحياة في شمال القرية ثم ينامون مساء في باحة المسجد.

نحن اليوم ضحايا المد الجارف من الكراهية وأدبيات الشحن والتفرقة وهنا السؤال: ماذا سيقول سدنة خطاب نصف قرننا الأخير عن أهلنا الذين عاشوا 14 قرنا في وئام وسلام؟ فهل كانوا على باطل ونحن اليوم على حق؟ هؤلاء قرأوا على أسماعنا كل شيء ولكننا لم نسمع منهم خطبة واحدة أو محاضرة عن رسالة النبي المصطفى إلى مسيحيي نجران التي تمثل قمة الألفة الإنسانية في التعايش والجوار والتسامح، هؤلاء لا يذكرون أن إحدى أمهاتنا هي مارية القبطية، أم إبراهيم، وهؤلاء لا يذكرون لنا أن محمدا وصحبه عاشوا في مدينة تتجاور فيها هذه الأديان وأتباعها. اللهم صل وسلم على نبي الرحمة. لم يقرأ أحد علينا أن صحب محمد ومن تربوا على منهجه هم من فتح فجاج الأرض وشاهدوا بأم أعينهم آثار السابقين من أبوالهول وأهراماته حتى بميان الأفغان، ومن شواهد بابل العراق حتى حضارات الشام، فلم يكسروا صخرة. عاش الأيزيديون في سهول الشام والعراق آلاف السنين تحت الحكم الإسلامي من أيام الفاروق إلى ثلاث سنين خلت.

اليوم لم يبق من مسيحيي هذا الشرق سوى أقل من 40%. كان معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ينزعج من صوت أجراس الكنيسة في مرضه الأخير لكنه لم يجرؤ على إسكات الصوت وله معه قصة شهيرة، فكيف نزايد اليوم على صهر النبي وكاتب الوحي وإمام المسلمين الذي كان يحكم كل هذا الطيف الواسع من الأعراف والأديان المتباينة من ما وراء السند إلى قلب الأندلس. نحن اليوم ضحايا خطاب الانتقائية الذي يتجاهل من تاريخ الإسلام صفحاته البيضاء الناصعة.

&