قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&عبدالحق عزوزي

كل من يزور الإمارات العربية المتحدة يبقى مبهوراً بدرجة التطور والخدمات والبنيات التحتية التي استطاعت الحكومة في وقت قياسي بلورتها في الدولة، فحققت بفضل العقل الإماراتي المتنور المعجزة التنموية وذلك من خلال الاستثمار في العنصر البشري، ولا أدل على ذلك من فوز دبي باستضافة معرض إكسبو 2020، وهو تجسيد لتطور وقوة الإمارة ومن خلالها كل الدولة.. فالمعرض لا يمكن أن يتصور تنظيمه في دولة إلا وهي توفر بنيات تحتية وإمكانات لوجستية لا يعلى عليها، إضافة إلى رؤية استراتيجية متقدة للمعرض بوصفه منصة عالمية للعقول... وشعار دبي 2020 «تواصل العقول وصنع المستقبل» هو تعبير عما وصلت إليه دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال الاستثمار الناجح في العقول وتوفر رؤية استراتيجية تنموية لمستقبل العالم.

وكثيراً ما يسأل طلاب الجامعات عندنا عن أسباب نجاح أقطار وفشل أخرى في تحقيق عوامل التنمية على رغم من أن لها نفس الموارد الطبيعية ونفس الإرث التاريخي والمجتمعي. والجواب يكمن في عبقرية أناس استثمروا بذكاء منذ الوهلة الأولى، أي منذ نشأة الدولة في لبنات الدولة الحديثة... فقد كان تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1971 على يد المغفور له الشيخ زايد، الذي ارتقى بها إلى مستوى التحدي وحقق، مع إخوته حكام الإمارات، مكاسب تنموية كبيرة في زمن قياسي جعلت الإمارات تتصدر الصفوف في مختلف المجالات. فكان خير الناس هو المبدأ الذي عمل من أجله الشيخ زايد، وكان دائم اليقظة إزاء الاحتياجات الحقيقية لشعبه وأمته... وقد سار الشيخ خليفة وإخوته الحكام على النهج ذاته ونجحوا في التمسك بمبادئ الشيخ زايد على جميع المستويات. وتشهد الدولة بشهادة الخاص والعام تغييراً وتحديثاً مستمرين وفقاً لمبادئ الآباء المؤسسين وسيراً على النهج العقلاني، وتلبية لاحتياجات الأجيال الجديدة. وكلها مبنية على العدل والتوافق والإيثار والمصلحة العليا، وهي القواعد الرشيدة للحكم.

ويشهد التاريخ لقادة دولة الإمارات بإعلاء وترسيخ قيم البناء والاستقرار وتحقيق الوفاق والمصالحة وتوطيد دعائم الأمن وتجذير الثقة... والثقة هي الوقود المحرك في هذا كله.. فالثقة بين الدولة والمجتمع، التي شهدت في العقود القليلة الأخيرة انخفاضاً حاداً بكل المقاييس المتوافرة في العديد من الدول الأخرى، تلك الثقة التي لن يتمكن تصحيح سياسي من النجاح إلا بالاستناد إليها، لا يمكن أن تعزز إلا إذا شعر كل مواطن بأن دولته قد بادرت إلى الاستقواء بمجتمعها كي تقاوم معه، وبه، مشاريع الهيمنة والوصاية والتدخل، وكي تثبت معه ركائز عقد جديد بين الدولة والمجتمع وتقوي تماسك اللحمة الحامية للدولة من مؤسسات بناء على قواعد جديدة عكس ما نراه في الكثير من الدول الأخرى.

والمقاربة الاستراتيجية لمسؤولي دولة الإمارات وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد تقوم على الاستثمار الاجتماعي وبناء الإنسان ونشر المعرفة وروح الإبداع والإنتاج. ويقول الصينيون القدماء «لا تعطني سمكة كل يوم، ولكن علمني كيف أصطاد» بمعنى أن توفير فرص الشغل وتشجيع الاستثمار والمبادرات الفردية هي خير وقاية من الهشاشة وأكبر تثبيت للسلم الاجتماعي، وليس الخدمات محدودة الأثر والتأثير في الناس وذات الثقل المستمر على ميزانية الدولة. فالنجاح الكبير الذي حققته الدولة قام على أساس الاتصال الوثيق الذي بناه المؤسس الشيخ زايد، كما جاء في كتاب «بقوة الاتحاد» الذي أعده مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، منذ مطلع حياته السياسية مع القاعدة الشعبية التي أيدته، ولم تقتصر تلك الصلة على كبار شخصيات المجتمع وزعاماته القبلية ولكنها شملت كل فئاته. فقد تبدت بوضوح درجة قرب الشيخ زايد مع عامة الناس ومعايشته همومهم وآمالهم ومتطلباتهم الأساسية بصورة دائمة تفوق الوصف. إن تركيبة المجتمعات الخليجية وتاريخها لهما سمات خاصة، فالبنية الاجتماعية في المنطقة لا تزال تقليدية وقبلية في جوهرها، وتوضح سيرة الشيخ زايد الظروف والأسباب التي جعلته يتقن مهارات التعامل والتواصل الشخصي المباشر مع أبناء شعبه، كما يوضح لنا سجله الحافل بالإنجازات الكبيرة مدى قدرته على اختيار الطرق المناسبة لتحقيق أهدافه المرجوة بعيدة المدى عن طريق استخدامه الرشيد لكل الموارد المتاحة. إن العلاقة الوثيقة والمستمرة مع أبناء شعبه، هي التي وفّرت له أفضل قاعدة لتحقيق هذا النجاح المستمر، وبالقدر نفسه أثبت الشيخ زايد تفرده وبراعته في تعامله مع إخوته الحكام، ومع الأسرة الدولية (...) كما كان الشيخ زايد واقعياً ومبدعاً، وكلتاهما موهبة ضرورية في عالم دائم التغيير. ومع ذلك فإنه لم يقبل أي انتقاص من قيمة التقاليد، فالتقاليد بالنسبة إليه هي لبنة التماسك الاجتماعي، ولكن من دون جمود أو تخشب، وكذلك الأمر مع الحداثة. وكان التسامح من أعظم فضائله حتى في المواقف التي كثيراً ما يكون فيها من الأسهل الانسياق إلى العصبية.