قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

شتيوي الغيثي

ليس من المعقول أن يستوي من يصرف ما يأخذه من هذه البلاد على أهله في خارجها ومن يصرفه داخل هذا الوطن انتماءً وحياةً ومعيشة ومجاورةً للمواطنين السعوديين

شملت التغييرات الاقتصادية في السعودية عددا كبيرا من قطاعات الدولة وتخفيض الصرف على المؤسسات، إلى جانب إلغاء عدد من البدلات والعلاوات، ورفع الدعم عن قطاع البتروليات، أو قطاع الكهرباء وغيرها، وهذا كله معروف ولا يحتاج إلى إعادة شرح أو تفصيل، وكتب عنها الاقتصاديون ما بين ناقدٍ ومؤيد، ولستُ في معرض نقدها أو الثناء عليها في هذا المقال لبعدها عن مجال معرفتي رغم اهتمامي في المجال العام بوصفه المجال الذي يهم الجميع، وهو منطقة اهتمام كُتّاب الرأي بمختلف توجهاتهم واختصاصاتهم.
ما همني أكثر في التغييرات الاقتصادية هو في جانبها الإنساني، أي عدم مساسها بالمواطن أو معيشته اليومية. عدد من المثقفين والمشايخ والكتاب والإعلاميين والمحللين الاقتصاديين المشهورين خرجوا من لقائهم مع ولي ولي العهد بكثير من التفاؤل دون أن يخبرونا عما جرى في اللقاء من إجابات مطمئنة لأسئلتهم، وفي جانب آخر كان حساب المواطن خروجا من أزمة الضغط الاقتصادي على المواطنين الذي أنتجته بعض التغييرات الحاصلة أو المحتملة خلال الشهر والسنوات القليلة القادمة، وعلى كل حال فإن ما نتمناه هو مزيد من الاهتمام بالجانب المعيشي للمواطنين. 
ومن ضمن التغييرات الاقتصادية التي خرجت هي فرض رسوم على العمالة والوافدين من الجنسيات المختلفة التي كان عددها كبيرا في السعودية حسب الإحصائيات التي تخرج بين فترة وأخرى، وعلى رغم فرض رسوم الاستقدام إلا أن فرض الرسوم ستكون شهرية. وستشمل هذه الرسوم كافة المتواجدين في السعودية باستثناء الجنسية البرماوية واليمنية والسورية.
لم تخرج حتى الآن تفاصيل كافية عن هذه الرسوم من ستشمل في مسماها. هل ستشمل الجميع أو سوف يتم التفريق بين المقيم والوافد والتابع والعامل والسائق والخادمة أو أن الجميع تحت مظلة واحدة بلا استثناء؟
من المهم التفريق في هذا الجانب بين مختلف المسميات السابقة، فالمقيم الذي له أكثر من ثلاثين سنة، وعاش هنا وولد على هذه الأرض، ويصرف كل ما يملك داخل هذا الوطن لا يمكن أن يكون مثل ذلك الوافد الذي جاء منذ سنوات قريبة، ويصرف ما يمتلكه خارج هذا البلد. الأمر هنا لا يستوي لا من الناحية الإنسانية ولا من الناحية الاقتصادية، فهناك عدد من الجنسيات نشؤوا في السعودية، وعاش فيها آباؤهم قبلهم، ولهم صلة قرابة مع السعوديين، سواء الذين أخذوا الجنسية السعودية أو الذين أصولهم من هذا الوطن كغالب السعوديين.
هؤلاء يختلفون عن أي وافد، فهم مستقرون بعائلاتهم الكبيرة منذ عشرات السنوات، ولا يضيرهم أنهم لم يحصلوا على الجنسية السعودية، بل هم سعوديون بالسلوك والتفكير، ولا يعرفون من بلدانهم إلا الاسم، الشناقطة المنتشرون في الحجاز مثال قوي على ذلك، إذ تحصل بعضهم على الجنسية في حين أن أبناء عمومتهم لم يتحصلوا عليها لسبب أو لآخر، لكنهم مستقرون في الحجاز منذ سنوات طويلة تتجاوز بعضها الأربعين أو الخميس عاماً، ولا يعرفون إلا هذا الوطن، وليس لهم أي صلة في بلدانهم لا اقتصاديا ولا اجتماعيا، فهل يساوى هؤلاء في قرار الرسوم الصادر قبل أسبوعين؟ أعتقد أن الأمر يحتاج مراجعة دقيقة والتفريق بين الجنسيات المختلفة وطبيعة تواجدها في السعودية.
هذه الفئة من المقيمين هم في حقيقتهم مواطنون سعوديون في كل حياتهم، ولكن شاءت الأقدار أنه لم يحصلوا على الجنسية السعودية لأسباب عديدة، ليس هنا مكان الحديث عنها، لكنهم في حقيقتهم لم يعرفوا غير هذه البلاد، ولم يترعرعوا على أرض غير هذه الأرض، وليس لهم رابط في تراب غير هذا التراب. نبتوا كنخلات فوق رمله، واستقوا جذوع طفولتهم وأوراق شبابهم من مياه الوديان التي عرفناها، وسقينا نخيل شبابنا منها. لم يستحموا بمطر غيمات غير الغيمات التي سقتنا بغيثها. ولم يستظلوا تحت أشجار لا تنتمي لأشجار غير التي استظللنا بها. صلوا في مساجدنا، وزارونا في بيوتنا. لهجوا لهجتنا، وعرفوا تاريخنا كما عرفناه، وتعودوا بعاداتنا كما تعودناها.
سبق أن قلت في أكثر من كان وأكثر من مناسبة إن أول حل يمكن أن يحل وضع هؤلاء المواطنين الـ"بلاهوية" هو إخراجهم من إطار أنظمة الكفالة، بحيث يتحولون إلى مقيمين إن صعب النظر في تجنيسهم وهو الأصل. فنظام الكفالة نظام عفا عليه الزمن للعمالة الوافدة، فضلا عمن كانت إقامتهم دائمة في هذه البلاد، والأنظمة جاءت لتنظم حياة الناس، فهي من الإنسان وإلى الإنسان، ولم تأتِ لتعيق حياة البشر وتضع مصائرهم على كف عفريت كما يقال، فالمواطنة تشريف وتكليف.
أتصور أنه من المهم مراجعة الكثير من القرارات، ووضع جوانب كثيرة على طاولة النقد والمراجعة قبل عملية التنفيذ والتصنيف بين نوعية المقيمين والوافدين وغيرهم، بحيث لا يمكن تطبيق الرسوم بالمساواة في حين أن الواقع يختلف في مساواتهم سلوكاً وفكراً واقتصاداً، إذ ليس من المعقول أن يستوي من يصرف ما يأخذه من هذه البلاد على أهله في خارجها ومن يصرفه داخل هذا الوطن انتماءً وحياةً ومعيشة ومجاورةً للمواطنين السعوديين، فقليل من الأنسنة واجب في العملية الاقتصادية.