قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 خالد صالح الفاضلي

سيكون من الصعب -إلى حدٍ ما- أن أعود إنجليزيا من جديد، هذا ما كتبه لورنس العرب بعد أن قطع على قدميه 1200 ميل، سيرا على الأقدام، في الشرق الأوسط، أثناء دراسته للقلاع الصليبية في الشرق كموضوع لشهادة الدكتوراه من جامعة اكسفورد، ولقد تأكد هذا التحول في بقية حياته عندما تملق للمتحف البريطاني من أجل المشاركة في رحلة تنقيب أثرية في مدينة «كركميش» شمال سوريا، ثم ضابطا في الاستخبارات البريطانية بعد أن حشرت تركيا نفسها في الخندق ذاته مع ألمانيا والنمسا في الحرب العالمية الأولى عام 1914.

يأخذني ذلك إلى احتمال أن تقول الأجيال السعودية القادمة (سيكون من الصعب أن أعود سعوديا) بعد أن سافروا أثناء طفولتهم ملايين الأميال في فيافي الثقافة الغربية المتاحة لهم في أجهزة الهواتف والكمبيوترات الذكية، يعزز ذلك قدرة أطفالنا على استيعاب اللغة الإنجليزية، والاعتماد عليها في يومياتهم، حتى قبل دروجهم إلى المرحلة الابتدائية.

جالت أغنية فيلم ملكة الثلج «فروزن» في وعي أطفالنا أكثر من استماعهم للمصحف، أو أغاني محمد عبده، رغم أن الثلج وملكته «إليسا» ليسا جزءا من ثقافتنا الصحراوية، وانتشر صوت المغنية الأمريكية «أيدينا منزل» في كل منازل، وطرقات مدننا والقرى، مع التأكيد أن لا أحد من دزني أو صناع الفلم تعمدوا أن يكون لأغنيتهم آذانا عربية صغيرة صاغية.

تأتي أغنية «فروزن» كدلالة وتأكيدات على تسرب عقول أطفالنا من قبضة صناعة الوعي والتربية إلى أحضان المحتوى الإلكتروني الغربي، وأحضان «ماما آيباد» بكل أمطاره بما فيها ألعاب تفاعلية تجنح إلى «الحروب والدم والعنف والإرهاب»، بينما الموسيقى وبقية الفنون الغربية تركض بأجيالنا إلى ذائقة بعيدة عن الموروث الشرقي قاطبةَ، بما فيه «حزمة أخلاقيات» تآكلت عبر زمن «لم يعد العربي فيه عربيا».

ينمو أطفال الأجيال العربية القادمة تحت مظلة «أخلاقيات، ثقافات، ممارسات» منحازة للعقل الغربي، يحدث هذا التغيير دون رقابة من «الأسرة، الدولة»، وعجز المدارس عن استرجاع العقل الساكن بقية يومه في مستطيل الآيباد، حتى أحلامهم أثناء نومهم لا تخلو من «فروزن» وبقية فتافيت الثلج.

يصعب سرد حلول كاملة، الرهان خاسر بكليته، لكن استرجاع جزء من وعي وعقل الأجيال القادمة مهمة صعبة على عاتق تزاوج صناعة التقنية مع صناعة التربية، مع صناعة الترفيه، وليس إعادة صياغة مناهجنا الدراسية ببعيد، في حين صناعة ألعاب وترفيه الأطفال في السعودية ستعاني هجرانا عريضا وخسائر طالما هزمتهم «ديزني» بأغانيها، ومجسمات بطلات أفلامها وملابسهن.

تجتمع صناعة ترفيه الأطفال، وصناعة التربية في مأزق واحد، مأزق عدم استجابة الصغار لمنتجاتهما، وعدم قدرة كبار موظفيهما من رؤية فجوة صنعتها «ديزني»، وبقية أركان صناعة الترفيه والثقافة في الغرب، فترفيهنا وتربيتنا محكومان بعقليات كهول ومدارس قديمة، لا تعي ما تعنيه «إليسا» في أغنية «فروزن» «أطلقي سرك.. توحدي مع الأكوان»