قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

محمد الساعد

في العام 1925 واجهت الدولة الناشئة في نجد والحجاز أول أزمة دولية لها، كانت حملة عداء هائلة تسببت بها قوى إقليمية ومنظمات إسلامية وفقهية على خلاف مع المذهب الفقهي السائد في الجزيرة العربية، كان الهدف تشويه الملك عبدالعزيز آل سعود الزعيم الجديد في المنطقة وتعطيل مسيرته وتهديد دولته الناشئة، التهمة كانت جاهزة، لقد قام «الوهابيون»، حسب وصفهم، بالمساس بالحجرة النبوية وهدموا القبة الخضراء و«الضريح الشريف»، بالطبع لم تكن سوى إشاعة مغرضة روجها أعداء الدولة الفتية.

كانت دولة الملك عبدالعزيز فقيرة ولا تمتلك بنية تحتية للدفاع عن نفسها وتكذيب تلك الأباطيل، إلا أن الإشاعة انتقلت في العالم الإسلامي كالنار في الهشيم لأنها مست أقدس أقداس المسلمين، بالتأكيد أن جيش الملك الذي دخل إلى المدينة المنورة صلحاً وبدعوة من أهلها لم يخالف أعرافه الإسلامية، بل إن الأهالي أصروا على أن يستلم المدينة ابن الملك الأمير محمد بن عبدالعزيز، وقد كان دخولا سلميا حافظ على كرامة الناس وحمى المقدسات.

لن تنسى المملكة العربية السعودية أن موسكو دعمت موقف الملك عبدالعزيز من عدم تعرض الأماكن المقدسة أو القبر الشريف لأي هدم أو تعديات، بل وثمنت موسكو حماية الملك للحرمين الشريفين، كان موقفا دوليا مهما حد من الهجمة المسعورة، مع التذكير بأن موسكو كانت أول عاصمة خارج المنطقة تعترف بالملك عبدالعزيز سلطاناً على نجد والحجاز وملحقاتها، جاء ذلك في فبراير 1926.

الملك عبد العزيز ودعما لموقف بلاده دعا لمؤتمر إسلامي كبير لكي يدحض إشاعة المساس بالقبة والحجرة النبوية الشريفة، حضر إليه زعماء وعلماء العالم الإسلامي ليتأكدوا مباشرة أن شيئا من تلك الإشاعة ليست سوى مؤامرة كبرى على الملك عبدالعزيز من أجل تشويهه واغتيال طموحه بتأسيس دولته. الاتحاد السوفيتي شارك بوفد من مسلمي القوقاز في المؤتمر الإسلامي الكبير.

دشن السوفييت وقبل الولايات المتحدة الأمريكية بسنوات أول ممثلية دبلوماسية لهم في مدينة جدة، كان على رأسها الدبلوماسي المخضرم «حكيموف»، الذي عمل في الممثلية حتى حصلت اضطرابات داخل بلاده دفعته للعودة إلى حيث أعدم لخلاف سياسي مع الكرملين.

لكن اللافت للنظر أن الملك عبدالعزيز بكرمه وشهامته العربية أمر حكومته باستضافة زوجة السفير بعدما علقت في مدينة جدة إثر مقتل زوجها، وعاشت في ضيافة حكومة جلالة الملك حتى وفاتها.

من المهم الإشارة إلى أن أول صفقة تجارية عقدتها السعودية مع دولة خارجية كانت مع الاتحاد السوفيتي لتوريد الكيروسين، كان ذلك في وقت لم تكتشف المملكة البترول بعد.

في العام 1932 وبعد إعلان المملكة العربية السعودية في شكلها الحالي، عمقت الرياض علاقاتها مع موسكو وابتعثت الأمير فيصل بن عبدالعزيز لزيارتها الذي كان يشغل وزارة الخارجية. الفيصل كان أول مسؤول عربي رفيع المستوى يلتقي بالمسؤولين السوفييت.

كان النفط هو رمانة التوازن والباب الواسع الذي عادت منه العلاقات، ففي منتصف الثمانينات كانت أسواق النفط تعاني بشدة، فتح الأمير بندر بن سلطان السفير السعودي البارع خطاً مع القيادة السوفيتية عبر سفيرهم في واشنطن السيد دويرين، حظيت تلك الخطوة بمباركة من الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، إثر تلك المبادرة زار موسكو وزير النفط السعودي المرحوم هشام ناظر للتباحث في موضوع الطاقة خاصة مع تردي الأسعار إلى سبعة دولارات للبرميل.

تطورت العلاقة على يدي الأمير بندر بن سلطان، حين التقى الرئيس غورباتشوف، وأسفر اللقاء عن تقريب وجهات النظر حول الموقف من دخول العراق للكويت، خلال اللقاء طلب غورباتشوف فتح سفارات في البلدين، لكنه فوجئ برد الأمير بندر الذي قال له: فخامة الرئيس علاقاتنا ليست مقطوعة معكم، هي مجمدة ومن قبلكم أنتم، بالفعل أعيدت السفارات.

الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان استشعرا الأهمية المتعاظمة لروسيا «اليوم» في عهد الرئيس بوتين الوريث الشرعي للإمبراطورية السوفيتية، لم تكن علاقات عابرة بل بناء خط إستراتيجي يبدأ من موسكو حاملا معه التوافق في أسواق الطاقة والأمن الإقليمي وتوازن المحاور وتنويع السلال الاقتصادية والعسكرية والثقافية.

اليوم وبعد أكثر من 90 عاما وكما الأمس وقفت موسكو موقف العقل من أزمة «إسطنبول» التي حاول الإعلام وبعض السياسيين الغربيين ودول في الإقليم محاصرة المملكة فيها واغتيال شخصية الأمير محمد بن سلمان وعرقلة مشروعه الحضاري كما حاولوا مع جده «عبد العزيز» من قبل، وكما كانت «موسكو» قبل مئة عام هي صوت العقل الذي قبل رواية السعوديين حول إشاعة المساس بالمقدسات الإسلامية، ها هي القيادة الروسية تقبل الموقف السعودي حول حادثة إسطنبول، وتطالب بإتاحة الفرصة للسعوديين لإتمام تحقيقاتهم، إنه صوت الحكمة الروسية الذي يأتي دائما في الوقت المناسب لا متأخرا ولا متقدما.