محمد المزيني

زيارة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده إلى القصيم أعادت بوصلة الحديث عن «القصمان» كما يحلوا لمحبيهم تعريفهم و«القصمنجية» كما يحب مناكفوهم مناداتهم. لا يهم الأمر سيان عند أهل القصيم، فلن تستطيع أن تكسب قلوب الناس حتى لو أنفقت خزينة «بنك الراحجي» عليهم، فسيظل المحب محباً والكاره كارهاً، ما يهمني هنا اشتعال مواقع التواصل الاجتماعي بأخبار هذه الزيارة الميمونة وتداعياتها، وكيف استقبلها أهل القصيم وما تمخضت عنه من مشاريع ضخمة تعد بالبليونات لم يشهد لها التاريخ مثيلا، بما غصت به الصحف من أخبار وأوسعها كتاب غيري قراءة وتحليلاً، سأتحدث عن الشخصية القصيمية من داخل مكوناتها الذهنية والثقافية والنفسية بحدود ما أعرفه وأنا واحد من أبناء هذه المنطقة، فهم من داخل تكوينهم ذوو شخصية استقلالية، استشعارهم بـ«الأنا» العليا الجمعية كبير، ينظرون إلى أنفسهم من زاويا مختلفة أولها الثقة بإمكاناتهم الوجودية ومقدراتهم المكانية، يمنحهم هذا الشعور نوعا من الاعتزاز بالذات الذي يعد مكسباً وطنياً كبيراً يعتمد عليه، وهذا ساعدهم كثيرا على الاحتفاظ بهوية خاصة تميزهم عن غيرهم، لذلك فإنهم ما أن يضعوا اهتماماتهم في شيء ما إلا وقد أحرزوا فيه تقدما كبيراً، يتواطؤون عليه ويعلمونه أولادهم، لذلك فإن الشخصية «القصيمية» واضحة ومحددة يكتشف خطوطها وعلاماتها حتى الأغراب، يضعون علامات فارقة في كل الأمكنة التي يذهبون إليها، ليس في لغتهم فحسب إنما في سلوكهم وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم، لذلك نستطيع فهم وتفسير انقسام الآراء حولهم بناء على هذه الخاصية، وهم أيضا محافظون وهذا لا يعني التحفظ أو الانزواء في عمق الذات، لذلك تجدهم داخل المنظومة «القصيمية» متشابهين تماماً في السلوك والعادات والتقاليد، هذا عدا طبعاً منطق اللسان الذي يميّزونه في ما بينهم ولا يكتشفه الآخرون.


في القصيم لن تستطيع التفريق بين الغني والفقير؛ المتدين والليبيرالي وحتى الشيوعي، والشيوعي تحديا لأن المنطقة تأثرت ذات زمن بالفكر القومي الشيوعي، لذلك تجد بعضهم يتنادون بأسمائهم الحزبية مزاحا كـ«أحمدوف، وعبدالله أوف وسليمانوف وعزوزوف»، وهذا يعني أن منطقة القصيم لتوسطها الجغرافي الاستراتيجي بين الجهات منحها خاصية التأثر والتأثير، ولذلك أدرك المغفور له الملك عبدالعزيز هذه الخصائص لـ«القصمان»، واستعان ببعض رجالاتهم في إدارة الدولة الناشئة الجديدة. لن نسترجع المواقع الحربية التي شهدتها القصيم والتي انتهت بمعركة الشنانة التي انتصرت فيها قوات الملك عبدالعزيز، وهي أحد أهم المعارك الفاصلة في تاريخ توحيد المملكة العربية السعودية، ومن بعدها روضة مهنا، التي أنهت الوجود العثماني بالمنطقة، ومنها بدأت رحلة التوحيد إلى أطراف المملكة الأخرى، وقد وقف أهل القصيم بكل ما يملكون مع الملك عبدالعزيز وهذا مشهود لهم لا أحتاج فيه إلى تفصيل، ولعل «الهوشة» التي وقعت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أثناء زيارة خادم الحرمين الملك سلمان وولي عهده إلى القصيم ذات دلالات عميقة على حبهم لوطنهم، فهي تنافس على الأسبقية بالوقوف إلى صف الوطن ودعمه، فكانوا يتماهون بهذا تماما، وهي أيضا من شخصيتهم التي تشي باستقلاليتهم حتى في ما بينهم؛ فالقصيمي لا يحقر نفسه أو قدراته، فلديهم العزيمة والإصرار على تكوين أنفسهم مادياً وعلمياً، وما كان ذاك الصغير الذي كان يقف قريبا من قصر أحد العائلات القصيمية أثناء انتهاء زيارة ولي العهد محمد بن سلمان لها، وسمعناه يقول: «الله من كثر القروش» تشي بهذه الشخصية، هكذا يتعلم القصيمي لغة الحياة الأولى وهي المال، ربما نستثني منهم إلى حد ما النازحين من مدن القصيم إلى مناطق المملكة المختلفة، ومع ذلك فهم لا ينفصمون عن هذا المستوى من التفكير المشمول بالعادات والتقاليد وإن ابتعدوا عنها فلديهم القدرة على برمجتها سريعا، فهل القصمان ذوو أخلاق «براغماتية».

أقول ربما، فالحياة برمتها لا يمكن ألا تُبنى بمعزل عن النفعية، فمتى فقدت هذه الخاصية انفلتت من بين أيديهم.

القصمان غذوا شخصياتهم بهذه النفعية بطريقة ذكية، بحيث لا يسيؤون بها إلى أحد أو يظلمونه، بل على عكس البراغماتية الغربية اللا أخلاقية، التي تقدم دائما على المبادئ، فبراغماتية القصمان مغموسة بكل وعي مع أخلاقهم ومبادئهم الدينية التي ينقلونها معهم أينما اتجهوا، وقد ساعدتهم على اجتياز القفار والوصول إلى أقصى المدائن من أجل تحصيل لقمة العيش في ما يسمى بـ«العقيلات»، فمن الشام إلى العراق إلى مصر ومنهم من وصل إلى الهند، فكل يجعلك مستقلاً لا تسأل الناس إلحافا، هو حق مشروع لهم بحدود كما قلنا مبادئهم. ذكر لي المؤرخ الاجتماعي محمد القويعي - رحمه الله - أثناء حواري معه في برنامجي «الصالون السردي» على القناة الثقافية، أن القصمان من النجديين (النجادى) أهل الصحراء من الذين خاضوا غمار بحر الخليج العربي وأصبحوا مهرة في الغوص واستخراج اللؤلؤ من أعماق البحار، فكل ما يعزك ويرفع قدرك وشأنك بين الرجال فعليك أن تسابقهم إليه، هكذا كانوا يعلمون أبناءهم مرددين على مسامعهم «خلك مع أول الرجال لو بنتف اللحى»، وبمعنى آخر «خلك مع أول الرجال لو بضرب العصي»، هذا ما علموه أولادهم وربوهم عليه، لذلك لا يستصغرون العمل بكل المهن المشروعة، ولا يرونه عيباً مهما صغرت هذه المهنة، لذلك كان الصغار يعملون في الأسواق حمالين أو بالبسطات، وجمع الكراتين وبيعها، وحتى الثلج باعوا واشتروا فيه، ومثلهم شبابهم من أبناء الموسرين أحيانا تراهم يعملون ببيع التمر والبطيخ، والفتيات يعملن في بسطات السوق وفي كل المهن المحترمة، ثم اسأل عنهم بعد سنوات ستجدهم قد توسعوا في تجارتهم وأصبحوا من كبار التجار، ومع ذلك لم يبخلوا على وطنهم بشيء.

لا أريد أن أعدد ما أنفقت أيدي تجار القصيم على الفقراء والمحتاجين، وعلى المرافق والخدمات وشق الطرق، يذكر لي أحد أبناء تجار القصيم المعروفين أنه لم يذق من خير أبيه وأمواله شيئاً حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى، ما اضطره إلى العمل في شراء الحديد وتقطيعه وبيعه، مع أنه كان يجزل الانفاق في وجوه الخير.

القصيمي لا تحكم عليه من مظهره ولن تستطيع أن تعلم ماذا يملك، البنوك تعلم عنها الكثير، والكشف عنها مخاطرة تعرض البنك لخسارة فادحة.