: آخر تحديث

حرب عملات «صامتة» تهدد بتقويض استقرار النظام المالي العالمي

يصف عدد من كبار الاقتصاديين الدوليين الوضع الراهن في سوق العملات الدولية بالارتباك. فعلى الرغم من تصريحات كبار المسؤولين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان والصين بعدم وجود أي مؤشرات على حرب عملات في الأسواق الدولية في الوقت الحالي، وتأكيدهم على سعي الجميع لتفادي هذا النوع من الصراعات القاتلة، فإن الأوضاع المضطربة لسوق العملات تبرر لدى بعض الخبراء والمضاربين أيضا، عدم قناعتهما بأن تلك التصريحات ذات الطابع السياسي بالأساس تعكس بشكل صريح الوضع الذي تمر به أسواق العملات الدولية.


وفي الحقيقة، فإن القراءات المختلفة لتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا، بشأن رؤيته لوضع اليورو وعلاقته بالدولار، وكذلك تعليقه على الوضع الحالي لليوان الصيني، قد أججت مرة أخرى الجدل الدولي بشأن واقعية حرب العملات في الساحة الاقتصادية الدولية، والتي يصفها البعض بالحرب الصامتة.
فالرئيس الفرنسي سعى إلى التأكيد على عدم رغبة منطقة اليورو، في أن تكون خصما للدولار الأمريكي، من أجل تحقيق الاستقرار العالمي، وهو ما يرى فيه المعارضون لفكرة حرب العملات دليل على غياب أي صراع بين القوى الكبرى في هذا المجال.


إلا أن المقتنعين بأن الحرب تدور رحاها في صمت، أو أنها واقعة لا محالة، فإنهم يقتبسون من حديث ماكرون تأكيده على وجود بدائل للدولار، وضرورة ان يكون اليورو واحدا منها، وهو ما سيتطلب وفقا لتصريحات الرئيس الفرنسي تحسين الهياكل المالية في منطقة اليورو، بما قد يتضمنه ذلك من رغبة في تقليص الاعتماد على الدولار، وأن يصبح اليورو بديلا واضحا للعملة الأمريكية.
ورغم أن تصريحات سيد الإليزيه تضمنت "تهميشا" لدور العملة الصينية واصفا اياها بأنها عملة تفتقد الطابع الدولي، وأن قوتها تتركز في منطقة معينة، وتجاهله التام للحديث عن الين الياباني أو الاسترليني البريطاني، ودورهم في هذا الصراع، إلا أن هذا التهميش والتجاهل صب المزيد من الزيت على النار، ورسخ قناعة الكثير من المضاربين بأن حرب عملات تحلق في الأجواء عاجلا أم آجلا.
الدكتور جورج هاورد أستاذ النقود والبنوك، يعتقد أن السبب الرئيسي وراء القناعات السائدة بأن حرب عملات تجري في صمت بين الاقتصادات الدولية الكبرى، يعود إلى التوترات التجارية على الصعيد العالمي، وعدم استقرار معدلات النمو الاقتصادي، والتغيرات التي يمر بها النظام المالي الدولي.


وعلى الرغم من قناعته التامة بأن حرب العملات الجارية الآن غير طاحنة، فإنه يؤكد ثقته بأنه إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية الراهنة، فإن خوض تلك الحرب وتوسيع نطاقها سيكون الحل الوحيد للكثير من الدول.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن الحرب التجارية الراهنة بين الولايات المتحدة والصين ربما تمثل الشرارة الأولى في حرب العملات، وربما تبدأ الصين تلك الحرب ردا على التعريفات المتزايدة للإدارة الأمريكية على صادراتها إلى الأسواق الأمريكية، والمشكلة تكمن في أن ضعف اليوان الصيني، يرتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة المالية الأمريكية عامة، وبارتفاع أسعار الفائدة بشكل مباشر، ويمكن أن يواصل اليوان انخفاضه في مواجهة الدولار اذا استمرت العملة الامريكية في تعزيز مواقعها الحالية وتراجع الذهب إلى ما دون 1200 دولار للأونصة".


ويشير هاورد إلى أنه " منذ بداية العام وحتى الآن انخفض اليوان بنسبة 4 في المائة، ومنذ نيسان (أبريل) الماضي تراجع بنحو 8 في المائة، هذا الوضع يزيد من القدرة التصديرية لبكين في مواجهة واشنطن، وإذا لجأ الفيدرالي الأمريكي تحت ضغط إدارة ترمب لاتخاذ إجراءات للحد من الارتفاع المتواصل للدولار، فإن ذلك سيكون بمثابة الطلقة الأولى في تلك الحرب رسميا، ولن تتحمل الصين تطويقها تجاريا وتطويق عملتها في الوقت ذاته".
ويتفق هذا مع ما يصفه البعض بالذعر الذي أصاب الصين نتيجة التعريفات الجمركية الأمريكية، فالسلطات تمنح حاليا تخفيضات وتسهيلات ضريبية ملموسة للمستثمرين، وتعمل على تخفيض سعر الفائدة لتشجيع الاقتراض المحلي، ولزيادة معدلات الاستثمار والاستهلاك الداخلي، ويتبنى المركزي الصيني سياسة مالية تعمل على تحفيز الاقتصاد.
ودفعت تلك التدابير بالرئيس ترمب إلى التغريد قائلا إن "العملة الصينية تنخفض مثل الصخرة"، وهو ما فسره الكثير من المراقبين بأن الادارة الأمريكية ترى أن الصين تتلاعب بقيمة عملتها.
في المقابل، يرفض توماس جراهام الباحث في بنك انجلترا، فكرة وجود حرب عملات في الأسواق الدولية حاليا، ويعتبر أن ما يحدث حراك طبيعي لأسعار الصرف بين العملات الدولية، بما يعكس حالة من عدم استقرار الأسواق، أكثر من كونها دليلا على حرب عملات صريحة أو حقيقية.


ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "هناك قناعة دولية تعززها حقائق الأرقام بأن الدولار الأمريكي هو عملة التجارة والاحتياطي العالمي، ولا يمتلك أي اقتصاد آخر القدرة على تحدي هذا الوضع في الوقت الراهن على الأقل، ومن ثم تحدي الاقتصاد الأمريكي عبر حرب عملات لن يعني فقط سحق الدولار لأي عمله تتحداه، ولكن الأكثر خطورة هو أن الاقتصاد العالمي سيفقد استقراره المالي بشكل غير مسبوق".
ويشير جراهام إلى أن "هناك تغيرات ملحوظة في علاقة العملات الدولية ببعضها البعض، ولكنها تنبع جميعها من حراك طبيعي ناجم عن تغيرات في الاقتصادات الوطنية، وعلاقة تلك الاقتصادات بالاقتصاد الدولي".
وتتفق الدكتوره آمبر ديفيد أستاذة الاقتصاد الدولي مع تلك الفكرة وتؤكد لـ "الاقتصادية"، أنه "يصعب القول حاليا بوجود حرب عملات مفتوحة، فقوة الدولار تستبعد ذلك، واليوان وعلى الرغم من قوة الاقتصاد الصيني لا يتمتع بزخم عالمي يعكس تلك القوة، أما الاسترليني فتراجعه المتواصل يعبر عن غياب الاستقرار السياسي في علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي أكثر منه تعبيرا عن رغبة بريطانية في زيادة صادراتها عن طريق خفض عملاتها".
وتقول ديفيد إنه "بالنسبة للعملة الأوروبية الموحدة اليورو، وعلى الرغم من أنها تمثل منافسا قويا للدولار مستقبلا، إلا أنه لا توجد مؤشرات حقيقية على تلاعب المركزي الأوروبي بالعملة الأوروبية الموحدة، فهذا الأمر يستلزم اتفاقا بين جميع بلدان منطقة اليورو، وليس لألمانيا تحديدا مصلحة في ذلك.. العملة الوحيدة التي توجد قناعات أمريكية قوية، ومؤشرات اقتصادية ملموسة بأنه يتم تخفيض قيمتها بشكل متعمد هي الين الياباني، لكن الادارة الأمريكية تغمض الطرف عن ذلك لقناعتها بأن تعزيز قوة أقوى حلفائها في شرق آسيا أمر ضروري، فربما تكون في حاجة إليها مستقبلا لعرقلة النمو الصيني".


على الجانب الآخر، يقف الخبراء المقتنعين بأن ساحة الاقتصاد الدولي تشهد حرب العملات حقيقية، وفي مقدمتهم فيليب توماس الاستشاري السابق في البنك الدولي، الذي يصف الوضع بأنه حرب عملات باردة.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "حرب العملات الراهنة نموذج للحرب الباردة السرية، فالإدارة الأمريكية لا تتردد في الاعلان الصريح بأن الدولار القوي لن يصب في صالح الاقتصاد الأمريكي، وهذا يعني أن منطقة اليورو عليها القيام بشيء لصد الهجوم الأمريكي. ففي حرب العملات سيكون للولايات المتحدة اليد الطولي، وعلى الرغم من أن البنك المركزي الأوروبي خفض من شراء السندات، وهو ما يمكن إدراجه بشكل أو بآخر في اطار المفهوم الأوسع لحرب العملات، فإن ماريو دراجي محافظ البنك المركزي لم يتردد في استخدام تعبير مخفف للحرب الدائرة بالقول إننا نشهد تقلبا في العملات".
ويشير توماس إلى أن "المنطق الذي ساد سابقا بأن الكل سيخرج خاسرا من حرب العملات لا يبدو صحيحا الآن، إذ غيرت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين المعادلة الاقتصادية، فحرب العملات المقبلة سيخرج منها الدولار واليورو منتصرين في مواجهة اليوان الصيني".


ومع هذا، فإن بعض الخبراء الذين يعلنون عن قناعتهم بأن حرب العملات الباردة أو الصامتة تهيمن على الاقتصاد الدولي، يشيرون إلى نمط جديد من حرب العملات لا يقوم على الخفض الإجرائي لقيمة العملة الوطنية، وإنما عبر التلاعب في أسعار الفائدة التنافسية، مما يعزز من قيمة العملات المحلية في مواجهة منافسيها، ويجعل البلدان ذات الفائدة الأعلى أكثر جاذبية لرؤوس الأموال الدولية، وهو ما يتناقض مع المنهج التقليدي لحرب العملات، والذي يعمل على خفض قيمة العملة الوطنية في مواجهة خصومها.
ويقول لـ "الاقتصادية"، ستيفن جيلفايل المحلل المالي في بورصة، إن "حرب العملات حقيقة يومية يمكن رصدها في التغيرات غير المبررة في أسعار الصرف بين العملات الرئيسية في العالم، والأمر كله يتمثل في أنها تحدث بشكل صامت دون ضجيج، إذ لم يتخذ العالم قرارا بالإعلان عنها بعد، فالجميع يدرك أن الإعلان الرسمي عنها في ظل الحرب التجارية المشتعلة حاليا، يعني أن أبواب عدم الاستقرار فتحت على النظام المالي العالمي".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد