: آخر تحديث

سمسار «وول ستريت» يتوسط لفك اشتباك واشنطن - بكين

  توم ميتشيل - وجيمس بوليتي 

في مكاتبه التي تقع على بعد مسافة قصيرة سيرا على الأقدام من تشونغنانهاي، مقر قيادة الحزب الشيوعي الصيني في وسط بكين، يحتفظ نائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي بمجموعة كبيرة من الصور التي التقطها مع كبار الشخصيات الأجنبية.
وفقا لمسؤولين حكوميين ودبلوماسيين أجانب زاروا المستشار الاقتصادي الأقرب لدى الرئيس تشي جين بينج، بانتظام، منذ أن تولى رئيسه السلطة أواخر 2012، كثيرا ما يجري تبديل الصور - صور ليو مع كبار الشخصيات الأوروبية التي تعرض أمام الزوار الأوروبيين، وصور لنائب رئيس مجلس الوزراء مع كبار الشخصيات الأمريكية، معلقة على الجدران أمام الزوار الأمريكيين. 


بحسب ما يضيف هؤلاء الأشخاص، هناك صورة واحدة من مجموعة ليو تبقى معروضة دائما. تلك التي يظهر فيها نائب رئيس مجلس الوزراء، وهو منهمك في الحديث مع هنري كيسنجر، قطب السياسة الخارجية الأمريكية المخضرم.
هنالك عدد قليل من رجال الدولة ممن يحظون بالتبجيل في بكين مثل كيسنجر، الذي تمكن وهو يعمل مستشارا للأمن القومي ووزيرا للخارجية، أثناء فترة رئاسة ريتشارد نيكسون، من هندسة تقارب بين الولايات المتحدة والصين مع الزعيم دينج تشاو بينج، في وقت كان فيه كل من تشي وليو من المراهقين الذين يحاولون البقاء على قيد الحياة، من براثن الثورة الثقافية في عهد ماو تسي تونج. 
يقول درو ثومبسون، مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية، ويعمل الآن في كلية لي كوان يو للسياسة العامة في سنغافورة: "في بكين ينظرون إلى الدكتور كيسنجر على أنه أحد عمالقة السياسة الخارجية. دائما ما كان يبدي تعاطفه مع بكين، وقد سعى القادة الصينيون باستمرار نحو استغلال شهرته ونفوذه للتأثير على واشنطن".
هنالك جيل جديد من الأمريكيين آخذا في الظهور من الذين يتكلمون بصوت هامس حول الصين بعد أن أصبح كيسنجر، الذي يبلغ من العمر الآن 95 عاما، شخصا ضعيفا، فيما يعمل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على التخلص من الأسس والمبادئ التي شكلت حجر الأساس في العلاقات الصينية الأمريكية، على مدى ثماني إدارات أمريكية متعاقبة - أي القناعة بأن المصلحة المشتركة بين البلدين تفوق الاختلافات بينهما، وأن النزاعات الدورية بينهما، يمكن أن تحل دائما بطرق سلمية.
من هؤلاء الأشخاص هنري بولسون، الذي شغل سابقا منصب وزير الخزانة الأمريكية، والرئيس التنفيذي لبنك جولدمان ساكس، ومايكل بلومبيرج، عمدة نيويورك الأسبق. 
مع ذلك، الشخص فإن الأبرز - والأكثر إثارة للجدل - ضمن هذا الجيل المحتمل من خلفاء كيسنجر هو: ستيفن شوارزمان، المؤسس المشارك لشركة بلاكستون، الذي لديه مصلحة تجارية طويلة الأمد في الصين وتربطه علاقة شخصية وثيقة مع ترمب.
يقول أحد الأشخاص المطلعين على المحادثات التجارية الجارية بين الصين والولايات المتحدة: "إلى حد ما، كان يحاول كل هؤلاء الرفاق إدارة قنوات خلفية، لا سيما من خلال وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين، وهذا أمر لا شك فيه أبدا. كما كانوا يقدمون أيضا المشورة للصينيين طوال هذه المدة. إن أعلن الرئيس عن إبرام صفقة أو التوصل إلى اتفاق، سينتابهم شعور بالفخر".
رغبة هؤلاء القادة في "وول ستريت" هي محاولة بناء جسور تواصل مع بكين، تعمل على استثارة غضب أعضاء الدائرة الداخلية من القوميين المتعصبين لدى ترمب.
هذا الشهر قال بيتر نافارو، مستشار البيت الأبيض ومن كبار المتشددين ضد الصين: "عندما يشارك هؤلاء العملاء الأجانب الذين يعملون مجانا في مثل هذا النوع من الدبلوماسية، كل ما يفعلونه هو إضعاف هذا الرئيس وموقفه التفاوضي. لا يمكن لذلك أن يأتي بأي خير".
رفض شوارزمان التعليق على هذا المقال، لكن شخصا مطلعا على دوره كوسيط بين الولايات المتحدة والصين يقول: "كان ستيف شخصا فريدا من حيث المساعدة في تعميق المصلحة الأمريكية، لأنه شخص موثوق ومعروف لدى الطرفين. وقد طلبت منه إدارة ترمب الحصول على آراء صريحة من الجانب الصيني، التي يمكن استخدامها من قبل الإدارة في المفاوضات التي تجريها".
شوارزمان وبولسون وبلومبيرج، جميعهم إما يمتلكون أو أداروا شركات ذات مصلحة واسعة في الصين. وقد أسس الثلاثة جميعا منظمات غير ربحية تركز على الصين. 
على أن المسؤولين الصينيين يدركون تماما أن شوارزمان تربطه أفضل علاقة مع ترمب.


بولسون أيد هيلاري كلينتون، منافسة ترمب على الرئاسة، في الوقت الذي يفكر فيه بلومبيرج في محاولة الترشح للرئاسة في عام 2020 كمرشح عن الحزب الديموقراطي.
في المقابل، استضاف شوارزمان حملة لجمع التبرعات في منزله، الذي يقع في بارك أفنيو لمصلحة ترمب تماما بعد أن أقر مجلس الشيوخ الأمريكي، تخفيضات ضريبية كبيرة على الشركات الأمريكية في كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
بدأ التنافس والتقارب بين الرجلين واضحا خلال حملة لجمع تبرعات جرت في آب (أغسطس) الماضي. وفقا لأحد الأشخاص المطلعين على المناسبة، عندما كان شوارزمان آخر من يتخذ مقعدا، "قال الرئيس، ’انظروا، يبدو ستيف غنيا جدا لدرجة أنه يعتقد أن بإمكانه حضور اجتماع مع الرئيس، دون ارتداء ربطة عنق". 
عندما بدأ ترمب في الحديث مع ضيوفه ليخبرهم بأنه ملتزم بالحفاظ على نهج أكثر مواجهة مع بكين، أشار إلى أن "ستيف عمل كل ما يلزم مع الصين".
كانت الصين جهة شراء مهمة لاستثمارات الأسهم الخاصة التي شاركت فيها شركة بلاكستون. منذ عام 2013، عملت على إنهاء 12 عملية بيع للأصول لشركات صينية، ضمن صفقات تصل قيمتها إلى أكثر من 32 مليار دولار، ما يستأثر بنحو ثلث إجمالي عمليات الشركة، وفقا لريفينيتيف. 
وقد كان من بين المشترين شركة الصين للاستثمارات، وهو صندوق الثروة السيادية في بكين، إضافة إلى ثلاثة من تكتلات "الكركدن الرمادي" الأربعة التي كانت محور حملة مشددة شنتها الحكومة على الصفقات خارج الصين وشملت شركات: إتش إن إيه، وداليان واندا، وآنبانج، التي دفعت 1.95 مليار دولار مقابل شراء فندق والدورف أستوريا في نيويورك.
كما كانت شركة الاستثمارات في الصين سي آي سي مستثمرا رئيسا آخر في عملية الاكتتاب العام الأولي، الذي أجرته شركة بلاكستون في عام 2007، بحيث دفعت مبلغ ثلاثة مليارات دولار مقابل الحصول على حصة نسبتها 10 في المائة. في شباط (فبراير) الماضي، كشفت شركة بلاكستون أن شركة الاستثمارات الصينية لم تعد من المساهمين.
على الرغم من الانتقادات حول تضارب المصلحة، أمضى شوارزمان في مطلع أيلول (سبتمبر) الماضي، أسبوعا حافلا في بكين وهو يحاول إعادة إحياء المحادثات التجارية المتعثرة بين إدارتي ترمب وتشي، وفقا لثلاثة أشخاص على اطلاع بما بذله من جهود.
كما أضافوا بأنه فعل ذلك بعلم ومساندة من ترمب ومنوشين، لكنه لم يطلب استشارة من نافارو أو روبرت لايتثايزر، الممثل التجاري الأمريكي وأحد كبار المتشددين ضد الصين في الإدارة. 
وجه البيت الأبيض دعوة لنائب وزير التجارة الصيني، وانج شووين، لزيارة واشنطن في العشرين من أيلول (سبتمبر) الماضي، لتمهيد الطريق أمام جولة متابعة محتملة للمفاوضات الرسمية مع ليو. 
قال أحد الأشخاص: "الذي دبر الأمور كلها كان شوارزمان بالتأكيد. لقد كان صاحب الفكرة في ذلك والوسيط. وهذا ما أثار جنون لايتثايزر".
يقول شخص عمل عن كثب مع الممثل التجاري: "لا أشك في أن شوارزمان يثير جنون لايتثايزر، وكثير من الناس يثيرون جنون لايتثايزر. 
شوارزمان يستطيع الوصول إلى الرئيس ويستخدم هذا الوصول لدفع ما يعتقد أنه يجب أن يحدث... وهو يعتقد حقا أن هاتين القوتين العظميين الكبيرتين في حاجة إلى العمل معا بطريقة ما". 
وأضاف متحدث باسم مكتب الممثل التجاري الأمريكي أنه "ليس صحيحا" أن لايتثايزر يشعر بالإحباط من تدخلات شوارزمان: "السفير لايتثايزر يعرف ويحترم شوارزمان، وهو يتشاور معه حول مسائل مختلفة".
على الرغم من أن شوارزمان وترمب كانا يتحركان في بعض الأحيان في دوائر مماثلة في نيويورك، إلا أنهما ليسا من الرفاق السياسيين الواضحين. 
في مقابلة مع "فاينانشال تايمز" في عام 2016 حول برنامجه للدراسات العليا الذي يتخذ من بكين مقرا له، والذي تم تصميمه على غرار منح رودس في جامعة أكسفورد، قال شوارزمان: "أستطيع أن أرى في الولايات المتحدة بداية الشعبوية... وقد تطورت الآن إلى سياسة قائمة على تأييد "الشعوبية" أي من هم المواطنون الأصليون، وهذه اتجاهات خطيرة للغاية حين تبدأ. أردت أن أفعل شيئا لإيقافها بأفضل ما يمكنني".


مع ذلك، فإن مناورة شوارزمان الدبلوماسية الدقيقة في أيلول (سبتمبر) الماضي، قد انفجرت بطريقة مذهلة عندما أعلن ترمب، قبل يومين فقط من وصول وانج إلى واشنطن، بأنه سوف يتصرف على أساس تهديده بفرض رسوم جمركية عقابية، على أكثر من نصف الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة. 
ألغى وانج على الفور، حيث خطط سفره على تجميد فعلي لمحادثات التجارة الرسمية بين أكبر اقتصادين في العالم، لمدة شهرين.
كانت هذه هي المرة الثالثة خلال أكثر من عام، التي فشل فيها شوارزمان في عقد اجتماع موعود لأصدقائه في بكين مع صديقه في البيت الأبيض، وفقا لأربعة أشخاص على اطلاع على جهوده الأخرى.
في تموز (يوليو) 2017، ساعد شوارزمان في تحديد موعد اجتماع بين ترمب ووانج يانج، كبير المفاوضين الصينيين في جولة فاشلة من محادثات التجارة المعروفة باسم "الحصاد المبكر". ألغى ترمب الاجتماع بينما كان وانج ينتظر في البيت الأبيض.
ثم في بداية آذار (مارس) الماضي، حاول أن يرتب لقاء في المكتب البيضاوي مع ليو، الذي كان في واشنطن لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين في الإدارة، وفقا لما ذكره شخصان بشأن هذا المسعى. رفض ترمب الاجتماع، وفي حركة تتسم بمزيد من الجفاف والصدود، أعلن أنه سوف يفرض رسوما جمركية عقابية على جميع واردات الصلب والألمنيوم من الصين، بينما كان ليو لا يزال في واشنطن.
هذه الحوادث عمقت أكبر مخاوف المسؤولين الصينيين بشأن استئناف محادثات التجارة الرسمية هذا الأسبوع، قبل اجتماع ترمب وتشي على هامش قمة مجموعة العشرين يوم الجمعة قبل الماضي في بيونس آيرس، وهو أول لقاء مباشر بينهما منذ أكثر من عام. 
لقد كانوا قلقين من أن ترمب قد يحرج نظيره الصيني من خلال تصعيد الحرب التجارية، إما خلال لقاءاتهما في مجموعة العشرين - أو بعد فترة وجيزة منها.
على النقيض من شوارزمان، بقي بولسون وبلومبيرج بعيدين عن الأنظار نسبيا في بكين مع تفاقم التوترات التجارية بين الصين والولايات المتحدة هذا العام. 
بولسون، بينما كان يتقدم في صفوف بنك جولدمان ساكس، في منتصف وأواخر تسعينيات القرن الماضي، استطاع تأمين عقود مربحة لإعادة الهيكلة وإدراج بعض أبرز الشركات الحكومية الصينية البارزة. 
خلال هذا الوقت التقى لأول مرة بوانج تشيشان، الذي كان تكنوقراطيا ماليا قويا.
عمل الاثنان سويا كوزير للخزانة ونائب لرئيس الوزراء على التوالي خلال الأزمة المالية العالمية. مثل كيسنجر، فإن تجربة بولسون في إدارة العلاقات الصينية - الأمريكية خلال فترة انتقالية، كما يقول تومسون، "ترجمت إلى قدرة وصول لا تشوبها شائبة" في بكين.
اليوم، بعد خمس سنوات قضاها بصفته المسؤول الأول عن مكافحة الفساد في عهد الرئيس تشي، يشغل الآن منصب نائب الرئيس الصيني، في حين أن بولسون هو الرئيس المؤسس لمعهد غير ربحي يهدف إلى "تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والصين".
بعد ثلاث فترات من شغل منصب عمدة مدينة نيويورك، عاد بلومبيرج إلى مهامه بدوام كامل في شركة البيانات المالية التي تحمل اسمه مطلع عام 2014. 
في ذلك الحين كانت شركته لا تزال تترنح في الصين من رد بكين الغاضب، على مقال تحليلي يشرح تفاصيل ثروة عائلة تشي.
في أيار (مايو) الماضي، أعلن بلومبيرج عن خطط لإطلاق حدث يركز على الصين، على غرار قمة دافوس في المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع كيسنجر، وبولسون، ومع مؤسسة فكرية تابعة لحكومة الصين. 
مع تدهور العلاقات الصينية - الأمريكية، انسحبت المؤسسة الفكرية ونقل بلومبيرج الحدث إلى سنغافورة.


حين بدأ الزخم في أواخر الشهر الماضي من أجل اجتماع مجموعة العشرين بين ترمب وتشي، عرضت بكين على منتدى بلومبيرج جائزة امتنان كبيرة - وهي كلمة رئيسة ألقاها نائب الرئيس وانج في افتتاحه في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.
وفي حين استغل وانج الفرصة للتحذير من أن الحكومة الصينية لن "تقبل أن يتنمر أحد عليها"، أصدر بولسون تقييما صارخا بشأن التراجع السريع في العلاقات الثنائية، في الوقت الذي يتأسى فيه على بطء وتيرة الإصلاح الاقتصادي في الصين.
قال بولسون: "أرى الآن احتمال وجود "ستار حديدي اقتصادي". إذا كانت الصين تريد أن تحول دون انفلات علاقتها مع الولايات المتحدة، فسيكون عليها أن تنظر بجد في بعض خياراتها وسياساتها. 
بالدرجة الأولى، هذا يعني أن الصين سوف تحتاج إلى إعادة اكتشاف روح الإصلاح والانفتاح المدفوعين بالسوق."
على الرغم من هذا الاستعداد لانتقاد بكين علنا، بعد يومين من الخطاب، أطلق نافارو هجومه غير المباشر على رئيس بنك جولدمان ساكس السابق، "من أصحاب المليارات العالميين" مثل شوارزمان وبلومبيرج، وغيرهم من المصرفيين "ومديري صناديق التحوط الذين نصبوا أنفسهم في "وول ستريت" من أجل التوسط بين واشنطن وبكين.


وقال نافارو: "لم يكن «ترمب» قط بحاجة إلى مساعدة من "وول ستريت"، ولم يكن بحاجة إلى مساعدة من بنك جولدمان ساكس من قبل، وهو ليس بحاجة إليها الآن".
رفض شوارزمان وبولسون وبلومبيرج التعليق على تصريحات نافارو، التي وصفها لاري كودلو، المستشار الاقتصادي لترمب، بأنها "خاطئة تماما".
المسؤولون الصينيون يحتقرون نافارو ويرونه – كما يقول أحدهم - ضمن "قلة من الناس" المصممين على "تدمير" العلاقة بين الصين والولايات المتحدة. 
والسؤال الآن هو ما إذا كان شوارزمان وغيره من "الأصدقاء القدامى" يستطيعون مساعدتهم على إنقاذ تلك العلاقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد