: آخر تحديث

الإمارات والمرأة.. معاً إلى المستقبل

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

   حسن قايد الصبيحي

بدايةً أشير إلى علاقتي المبكرة بالمجلس الوطني الاتحادي وبأعماله ومهامه المبكرة ربما بعد التشكيل الثاني حين كان يرأسه المرحوم ثاني بن عبد الله، وانتقلت رئاسة المجلس منه إلى فقيدنا الغالي تريم عمران تريم، الذي شغل الحياة السياسية وصادق المجلس إبان ترؤسه له على أهم القوانين، وكان يردد على الدوام «هذه هي مكاسب تحققت بدعم زايد وجهوده المخلصة لبناء الإمارات». 


عاصرتُ أقوى المراحل البرلمانية التي لايزال صداها يتردد حتى اليوم، كما تقره مشاهد التاريخ ومحاضر الجلسات في أرشيف المعلومات بالمجلس. كنت أُمثل جريدة «الاتحاد» مسؤولاً عن الشؤون البرلمانية، ووجد رئاسة المجلس وكافة الأعضاء أهمية الصحافة كوسيلة فائقة الأهمية لنقل المعلومات والأفكار وبناء جسور الاتصال بين المجلس والمواطنين، ونجحت الاتحاد في أداء مثل هذا الاهتمام كأداة تساعدها على أداء دورها لنقل الأخبار والمعلومات وإثارة العديد من قضايا المجتمع بقصد أن يتبناها الأعضاء، ويضعونها ضمن جدول الأعمال في الجلسات، التي لم تكن تعرف التوقف آنذاك.
وأتذكر بشيء من الفخر والاعتزاز أني شهدت المناقشات الجادة حول الدستور الدائم والجلسات المشتركة بين المجلس الوطني ومجلس الوزراء بكامل تشكيله عام 1976، وكانت جلسة تاريخية فارقة جمعت بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية للبحث في مستقبل الاتحاد، وانتهى الحوار بالاتفاق على صيغة مشتركة، وضعت بنودها فيما أطلق عليه المذكرة المشتركة، وكانت تجربة نادرة في محيطها العربي آنذاك. وسُجل للإمارات سبق برلماني بتبني المجلس الأعلى للاتحاد ممثلاً بالمؤسسين من شيوخنا لتوصيات السلطتين ووضع الدستور الدائم في مرحلة لاحقة، وهي الصيغة الدستورية التي ألهمت القيادة الحالية تطوير التجربة إلى آفاق كبيرة لعل أهمها وأكثرها إثارة تخصيص 50?? من التشكيل الكامل للعضوية للنساء في الدورة الانتخابية القادمة للمجلس الوطني الاتحادي، ولا عجب في ذلك، لأن المرأة الإماراتية أثبتت- وخلال قرابة نصف قرن- دورها الريادي في شتى المجالات، وساهمت في الخدمات الوطنية في مجالات التعليم وتحمل المسؤوليات الإدارية ومشاركة الرجل في الخدمات الأمنية والشرطية فضلاً عن مقدرتها على اقتحام المهام الصعبة وولوج الخدمة العسكرية، التي تتطلب جهداً مضاعفاً ومهام شاقة أثبتت المرأة جهوزيتها لأدائها دون ترد، ولهن في مريم المنصوري الأسوة الحسنة حين ساهمت في قيادة القاذفات المتطورة F15 وF 16. 


المرأة الإماراتية الآن، تتفوق على نظيراتها في دول أخرى بإقبالها الجامح على المشاركة في بناء دولتها، وعلى نحو لا يقل عما يقدمه الرجل من أعمال عظيمة في مسيرة البناء، بل إنها تتفوق على نفسها وعلى مستويات اختيارات التخصصات العلمية والأكاديمية. وقد لاحظنا درجات إقبال عالية من قبل الطالبات لاختيار تخصصات علمية صعبة كالطب والهندسة، بل إن تخصصات علوم المستقبل كالهندسة الفضائية Aerospace Engineering والبرمجيات، وأذهلتني قصة أن إحدى الطالبات المتفوقات حين قررت في سنوات الثانوية الأولى دراسة هذا العلم، ووجدت ضالتها في إحدى الجامعات اليابانية. وعقدت العزم على تعلم اللغة اليابانية قبل دخول الجامعة بجهد ذاتي باستخدام دروس يوفرها أحد مواقع اللغة اليابانية، فإذا بها وبعد عدة شهور، تتمكن من معرفة مغاليق اللغة، وتذهب بصحبة أمها إلى الجامعة في اليابان لاستكشاف الأمر بنفسها. ومع أنها كانت في أقصى درجة الحماس إلا أن الدكتور الذي تولى الإجابة عن تساؤلاتها العلمية، لم يكن مقنعاً، وهي الآن تدرس نفس التخصص بجامعة أدنبرا باسكوتلاند. هذه هي المرأة الإماراتية الجديدة فقد قررت أن تكون ندا للرجل في كل شيء، واستطاعت أن تقنع بأدائها القوي في العمل الاجتماعي وفي العمل العام المسؤولين الإماراتيين الحريصين ‏على دورها في العمل الفكري وحتى العمل اليدوي، وتلك بحق هي الأسباب التي أقنعتهم بمنح للمرأة الإماراتية شغل 50% ‏من عضوية المجلس الوطني. الآن دعونا نتخيل مقدار التغيرات التي ستحدثها المرأة في مهام المجلس الوطني الاتحادي وفي أدائه البرلماني. فإذا تصورنا أن المجلس سيظل كما هو حين كان أغلبيته ‏الساحقة من الرجال سنكون واهمين، ذلك أن للمرأة لمساتها الخاصة في كل عمل بما فيه العمل السياسي. دعونا نتخيل معاً بعض هذه الاحتمالات: أولا: لا شك أن القضايا التي ستكون محل نقاش في المجلس ‏ستعطي المرأة إمكانية طرح كثير من شؤونها التي تمس حياتها والمهام المناطة بها في إدارة الأسرة، وسوف تكون لهذه النقاشات آثارها المجتمعية التي فرضتها‏ حقبة طويلة من الهيمنة الرجولية على حساب نصيب المرأة في المساواة.


‏ثانياً لابد أن تعطي المرأة نفسها مزيدا من الحقوق ومن الواجبات، ‏ إذ لم يعد مجتمعنا يرضى بمثل هذه السلوكيات التي لا تمت للحاضر أو المستقبل بأي صلة. 
ثانياً: الإجادة وتحسين الأداء اللذان تشيعهما المرأة. فنحن ندرك أن علاقة العضو ببيئته ومحيطه الاجتماعي تشكل مصدر معلوماته وإلهامه ومقدرته على إثبات وجوده، بما يتصدى له من عمل ونقاشات، ومن ثم فإننا ندرك مدى حرص المرأة على التفاعل مع محيطها وتبنيها لقضايا مجتمعها وسيجد الأعضاء الرجال أنفسهم يتخلفون، إن لم يجاروا النساء في الإنصات إلى مجتمعهم، وهو أمر محتمل الوقوع. ثالثاً سيجد الأعضاء الرجال أنفسهم أمام تحد جديد. وستنتقل ثقافة الحوار والتيقن من دقة المعلومات والمساهمة في النقاش. وسوف نشهد تجربة جديدة بمعنى الكلمة وكل ذلك يصب في مصلحة الوطن. وهناك تحولات كثيرة ستفرزها التجربة في مراحل قادمة قد لا نهتدي إليها حالياً، لكن هناك تطور يحدث الآن لا تخطئه العين، فالإمارات تحرص على تطوير مجتمعها وربما بيئتها المحيطة. هي تتبنى متطلبات عصر ما بعد الحداثة، والتشكيل البرلماني الجديد أحد وجوه هذا العصر بما يؤكد رؤيتنا بأن الإمارات تعيش في المستقبل، بل هي علامة بارزة في مسار المستقبل. وهنيئا للمرأة هذه المكاسب والله الموفق.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد