& عبدالله بشارة&
لا نشك بحيوية رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم ونقدر اقتحاميته ونسعد بمبادراته وتعجبنا الهمة الخطابية التي ترافقه أينما ذهب، وأجد لديه امكانات لا بد أن تجند للمقاربة من قضايا الكويت، وأعتقد أن لديه رصيداً مؤثراً داخل المجلس ومكانة رفيعة خارجه، يمكن الاستفادة منها في أجندة الهموم الوطنية، ومن أبرزها مشكلة اليوم وهي تزوير الجنسية الكويتية، وضرورة طرق أبواب هذا الموضوع الشائك، الذي تسلل مع الفوضى التي دخلت فيها الكويت في أعقاب التحرير، مع عدم توافر الآليات التي تؤمن سلامة جهاز الدولة وغياب الانضباط واهتزاز تطبيق القانون.
وجد ضعاف النفوس في تلك الظروف الضالة التي تؤمن لهم مالاً بلا جهد، وثروة بلا مؤهلات، وارتياحاً بلا غناء، ولا يهم هنا عذاب الضمير، لأن لإغراء المال سحراً آسراً، مع تصور بغياب المحاسبات، ويتم كل ذلك في غياب تام للحس الوطني والغيرة الضميرية، وقد يلجأ هذا الإنسان الفاقد لكل القيم الأخلاقية إلى الهجرة ابتعاداً من العقاب وقد ينال هوية أخرى.
كلنا نعاني من هذه الأشباح التي ادعت الانتماء ودخلت اللحمة الكويتية محسوبة علينا، ومستفيدة من عملية النصب وعاشت في فصل من الميلودراما السينمائية التي تتطلب مهارة عالية في التمثيل وفي التعايش مع هوية مسروقة لها ملامحها ولهجتها وتراثها وتاريخها، مع تفاصيل يتحايل عليها هذا المزور عن مواقع الولادة ومتطلبات ليس من السهولة سرقتها، ولكن هؤلاء لهم باع في صناعة الخداع والتحايل..
لا يوجد مجتمع يتعايش مع غير المعقول من مفاجآت تتطاول على هويته وتنشل تاريخه وتسطو على تراثه وتداهم وحدته الوطنية وتضعف صلابته وتبقى تفاصيلها في ملفات الصمت..
هذه قضية وطن تغلغل في أحشائه دخلاء، غرباء، ليسوا منه، لم يعرفوه في فقره، ولوثوه في غنائه، لم يترددوا في تشويه لهجته ولم يتورعوا من الادعاء بأنهم أجزاء من تاريخه، ولا أستبعد أنهم استخرجوا شجرة خاصة بعائلاتهم فيها اغتصاب لأسماء مناطق ادعوا أنهم ولدوا فيها، والكارثة الأمنية أنهم انضموا إلى السلم الوظيفي الذي أوصل بعضهم إلى الضلع الحيوي في الأمن الكويتي، وقد مارس بعضهم أعمالاً مضرة بالأمن الكويتي، كما لا يمكن الادعاء بالانسجام الاجتماعي ووحدة الجبهة الداخلية طالما ظلت هذه المصيبة باقية لم تطو ملفاتها..
في ظروف كهذه لا مجال للتردد في المواجهة مع هذا الواقع المخيف، ولا عذر لأعضاء مجلس الأمة وبالأخص الرئيس مرزوق الغانم في الابتعاد عن الجمرة الساخنة، التي تأكل في الجسد الكويتي، خاصة ونحن نتابعه في حلبات المواجهة السياسية بالثناء على أهليته وعلى فعاليته.
هناك أولويات وأبرزها اللائحة الأمنية التي لا نعرف مدى تسلط التزوير عليها، ولا ندري عن حجم تواجد المزورين في الهيكلة الأمنية، ولا علم لنا عن مصيرهم وأعدادهم..
معقولة أن تكون أولوية النواب استجواب وزير التجارة بسبب قضايا ثانوية ربما لم يوفر الوزير لهؤلاء النواب ما يرتاحون إليه من وساطات..
شاركت وزير التجارة في مناسبات، وأعجبني كوزير يتخذ القرار المؤمن فيه، كما أعجبتني متابعته لهموم الوزارة وتقبله للآراء المختلفة، وشعوري أنه مكسب، خاصة بعد زيارته إلى العراق مع حجم الانطباع الايجابي الذي خلفته هذه الزيارة.
نعود إلى موضوع التزوير، الذي تتراكم المخاوف من اسقاطاته على مسار الكويت السياسي داخلياً وخارجياً، فلا نعرف إن كان محدثنا الذي نلتقي به في الدواوين صادقاً في هويته أو أنه من النشالين الذين سرقوها، واستقووا بها، واستندوا إلى وثائقها في تجولاتهم وفي تجارتهم، وفي شبكات الترابط المجتمعي التي صنعوها مع أهل الدار الحقيقيين، وتبرز تساؤلات عن أعدادهم، هل يشكلون أفراداً بحجم الكتائب أم أن أعدادهم محدودة؟ وهل تم تطويق تأثيرها، وهل أغلق ملف التزوير أم أن الجهود ما زالت تتبع الخيوط المزعجة التي كانت تخفي الهوية الحقيقية لهؤلاء المزورين؟
نحن أمام مأمورية وطنية جماعية يتكاتف الجميع على تجاوزها ويساهم الجميع على كشفها ويتأثر الجميع إذا ظلت تلعب دورها في حياة الكويت.
وكيف تمكن هؤلاء من الوصول إلى مواطنة الكويت محمولين من عناصر لا أصدق أنها جاءت من طينة الكويت، ويحملنا التساؤل إلى الاستفسار عن وصول هذه العناصر – التي سهلت عضوية المواطنة لهؤلاء المزورين – إلى الهوية الكويتية، وما هي السبل التي جعلتهم يشقون طريقهم إلى هوية الأحلام ثم يشاركون مع من امتهن النشل والتزوير ليدعي، بلا حياء، بأنه من ثمار الشجرة الكويتية.
قرأت مقال السيدة الفاضلة إقبال الأحمد في عمودها في آخر صفحة القبس، يوم الأربعاء السادس من مارس الجاري، وهزتني صرختها عن مواطنة التزوير، لأنني تصورت أن موضوعاً خطراً مثل هذا يستدعي الاقتراب منه بهدوء وبلا ضجيج لكي لا تفلت كتائب التزوير من القبضة الراصدة، ولكن القلق الوطني يتزايد ولا بد من التحرك.
فاليقظة الأمنية تفضل العمل الصامت، ومع ذلك فمن حق المجتمع أن يطمئن بأن الأعين تراقب وحوش التزوير، فالصمت يدفع بالمزيد من التساؤل ويكثف الحيرة، ومن هذا المنحى يأتي دور رئيس مجلس الأمة المؤتمن بنقل هموم المجلس إلى القيادات المختصة، من أجل تخفيف القلق وإراحة المواطنين.
تحدث رئيس مجلس الأمة في العاصمة الأردنية عن المنازلة، ولا أتصور هناك أخطر من هذا الموضوع لركوب حصان المنازلة لإنهاء هذا الكابوس من أجل تدمير الحصن الواقي لهؤلاء المزورين.
&















التعليقات