: آخر تحديث

الصحوة.. سطوة الخطاب بسرقة اللافتات !

  نجيب يماني

بوسع أيّ قارئ لتاريخ المسلمين أن يقف على المتغيرات الفكرية والظروف الاجتماعية والسياسية التي شكّلت التيارات الفكرية المتباينة في توجهاتها، وأن يقف على الأهداف والغايات التي كانت تنشدها، وسيكتشف لا محالة أنها جميعاً، وبلا استثناء تتكئ في جذرها الأساسي -ادعاء أو صدقاً- على المحفوظ القرآني، أو المنقول أو المجموع من السنة النبوية، على اختلاف النظر في المنقول؛ من سنام الصحة إلى حضيض الموضوع، ليبقى مناط الاختلاف بينها، والتباين في طرحها جميعاً، معلّقا بشكل جوهري وأساسي على محصّلة الفهم، وإعمال الفكر، والتأمل في مرآة النص المنظور، حيث يقع التوافق في الغالب الأعم على «منطوق النص»، وينشأ الاختلاف من ثم في حقل التفسير والتأويل.. وهو اختلاف مثرٍ للحراك الفكري، وأي ثراء، طالما بقي مسجياً في دائرة احترام الرأي، وتقدير الظرف، مع توفر كافة المعطيات والأدوات الموجبة لاشتغال الذهن، فهو العمدة في التعاطي، والموجّه في السجال.

على أن هذا المنظور «المثالي» المنشود لم يتحقق بكامل نصاعته على مر الحقب التاريخية، لا للمسلمين، ولا لغيرهم، بشكل مستدام ومتوارث، فقد شهدت ساحات المسلمين سجالات فكرية انتهت -من فرط احتدامها- إلى تشكيل صراعات استلت فيها السيوف من أغمادها، وطاحت فيها رؤوس من مساند أكتافها، مأخوذة في ذلك بعوامل أخرى وفقاً لكل حقبة ومؤثراتها، وبقي المسلمون في حركة إنتاجهم الفكري وتشكيل التيارات يراوحون المسافة بين الطرح في ساحة السجال بكل مساحتها المحتملة، ومحاولة الجبر والإكراه بمحركات مختلفة، أدناها الإقصاء، وأعلاها إعمال السيف إفناء وإعداماً..

ولو قفزنا فوق الحقب للنظر في واقع اليوم، لأمكننا أن نقف على تيار «الصحوة»، وهو يعيد إنتاج أسوأ ما شهدته ساحة الفكر الإسلامي من صراع، فهذا التيار الخارج من عباءة الإخوان المسلمين بكل قبحهم ودناءة أنفسهم قد «ابتلينا» به، واختياري لمفردة «اُبتلينا» مقصود في ذاته، بكل حمولتها الدلالية السلبية، وما تنطوي عليه من إشارات المعاناة والتباس المصائب، وليس في هذا التوصيف أي افتراء عليها، فهذا التيار، دون غيره من تيارات المسلمين الفكرية الأخرى، أحدث مبتدعات جذرية وخطيرة في طرائق التفكير، وأساليب الاستمالة، وأدوات الترهيب والترغيب.. ومن يقرأ أدبيات هذا التيار بعين فاحصة ينتهي إلى حقيقة بالغة الخطورة، وعظيمة التأثير، ومفادها: السعي نحو مصادرة حق المعرفة وحصرها في هذا التيار ومفكريه دون غيرهم، بما يمكن القول معه ودون أدنى تحفّظ في ذلك «أن هذا التيار مارس نوعاً من الدكتاتورية الفكرية سواء على المستوى الصريح أو على المستوى الإيحائي المبطن».

فعلى المستوى الصريح تكتظ مؤلفات مفكري هذه الجماعة بحديث مباشر عن خطأ من سبقهم، إلى غاية تأثيم المجتمعات قولاً واحداً، ورميها بـ«الجاهلية» كما يقول بذلك سيد قطب، في «ظلال القرآن»، بل إنه يذهب إلى القول بأن جاهلية اليوم أشد مما كانت عليه قبل الإسلام، الأمر الذي فتح الباب مشرعاً أمام موجة من التكفير والتبديع والتفسيق ورمي الناس بالشبهات، وإغلاظ القول، والفوضى التي في الحقبة الماضية ابتلينا به، من قبل جماعة حكمت قبضتها على مفاصل المجتمع ومسيرته وفق رؤاها وأفكارها ومنطلقاتها وعقدها النفسية الشخصية والعامة.. واحتكر هذا التيار المفهوم العام للنصوص، وفرضت قراءتها وفهمها على الجميع، مع تسفيه آراء الآخرين وإن كانت معتبرة تيارا أراد أن يركب مطية الدين وصولاً لمبتغيات سياسية غاية في الخطورة والكارثية.

أما على المستوى الإيحائي، فيتجلى مفهوم مصادرة حق المعرفة واقتصارها عليها، في سلوكه نحو «خطف وسرقة» لافتة «الإسلام»، في سياق من المزايدة والمتاجرة، حتى بتنا نسمع بالمخبز الإسلامي والبقالة الإسلامية وغير ذلك من الترهات، في سباق نحو هز شجرة العاطفة الدينية عند عوام الناس وسذجهم، وبخاصة الشباب بما تنطوي عليه من أشواق لإقامة الدين والعودة به إلى ناصع عهده الأول..

وقد ساعدت الظروف العالمية والمحلية على إتاحة الفرصة أمام هذه «الجماعة» للتمكين والتمدد، فعالمياً خلق مناخ الحرب الباردة بعد الحربين الكونيتين فرصة مواتية لنمو خطاب يجعل من الماركسية عدواً له، ومرتكزاً لخطابه، ومحفزاً لتجييش الشباب ضده، وضد الأنظمة العربية التي تبنت الخط الماركسي، فكان تمدد الماركسية مبرراً كافياً لإيجاد عدو حقيقي وليس افتراضيا، بما يبرر إعلان الجهاد، وملامسة أشواق الغيبيات لدى الشباب من حور عين وجنان وغيرها، مما أعد للشهداء..

أما على المستوى الداخلي فقد وجد هذا التيار السبيل إلى أرضنا من باب احتواء عناصره من الطغيان الذي يعيشونه في أوطانهم آنذاك، فوجدوا الفرصة مواتية في مجتمع مسلم بالفطرة، ومتدين بالسليقة، ومحب لأخيه المسلم، حسن الظن به، سليم النية تجاه طرحه، ومن هذه «الغفلة» وجد تيار الصحوة الفرصة للتمدد، فعبر إلى مناهجنا، وباتت له سطوة وصوت..

إن هذا الواقع المغاير لطبيعة النفس السعودية، أدركته بصيرة ولي العهد الأمين، لهذا جاءت كلماته في ذلك بشارة لغد مشرق وواعٍ ومعافى من كل معوقات، حيث قالها بكل وضوح وجلاء: «إن بلادنا لن تضيع 30 سنة في التعامل مع أفكار متطرفة مدمرة، سندمرها نحن اليوم وفوراً، ونعود إلى ما كنا عليه قبل عام 1979، إلى الإسلام الوسطي المعتدل المتفتح على العالم وعلى جميع الأديان وعلى جميع التقاليد والشعوب إننا نمثل القيم المعتدلة ونريد أن نعيش حياة طبيعية تترجم ديننا السمح وعاداتنا وتقاليدنا».

وليس بعد هذا القول من مزيد..


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد