قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

زياد الدريس

علّمتني سنواتي العشر في منظمة اليونسكو أن أحترم التراث الإنساني العتيق، بكافة أديانه وإثنيّاته وثقافاته ولغاته.


وعلّمتني اليونسكو أيضاً، أو أكّدت لي، بأن على الإنسان الصادق في اهتمامه بالإرث الإنساني أن يهتم أولاً بإرثه وثقافته قبل اهتمامه بإرث الآخرين.

كما علّمتني اليونسكو أن التراث الإنساني يحظى بدرجة متساوية من القيمة ومن الرعاية والاهتمام، إذ لا يوجد في المنظور الدولي العادل تراثٌ من الدرجة الأولى وتراثٌ من الدرجة الثانية(!)، لكن يمكن تقبل مشاعر أناس يرون أن تراثهم أولى وأغلى عندهم من تراث غيرهم، فهذا شعور بشري طبيعي ومقبول.

استحضرت هذه المقدمات أمامي وأنا أشاهد ردود الفعل المتباينة على الحريق المؤسف لكنيسة نوتردام في العاصمة الفرنسية الأسبوع الماضي.

رأيت تعليقات "ظلامية متزمّتة" تحتفل باحتراق هذا المعلم البارز في قائمة التراث العالمي، وتتمنى أن تحتفل يوماً باحتراق كل كنائس هذا العالم، وكأنها تريد أن تزايد في غيرتها الدينية على غيرة عمر بن الخطاب الذي لم يحرق كنيسة القيامة حين فتح بيت المقدس، وكان قادراً على ذلك لو أراد، بل إنه تجنّب الصلاة فيها حتى لا تُنتهك خصوصيتها، ووضع وثيقة تضمن رعايتها وخدمتها من لدن أسرة مقدسية مسلمة حتى اليوم.

ورأيت تعليقات "ظلامية مستنيرة!" تريد أن تحجر على الناس في التعبير عن مشاعرها، لا المشاعر المتطرفة التي احتفلت بالحريق، ولكن تلك التي ترى وجود معايير مزدوجة في الحزن والأسى بين كنيسة نوتردام وعلى ما اندثر من التراث الإنساني العريق في مدن سورية التاريخية، بالطائرات التي كانت تقذف قنابلها على مرأى وصمت من القوى العالمية "المتحضّرة". وقبل سورية التي خربت بالذراع الروسي، كانت آثار العراق التي خربت بالذراع الأميركي. وقبل كل ذلك وبعده، ما يجري من عبث وتخريب للتراث الإنساني المسيحي والإسلامي في مدينة القدس بيد الابن المدلّل إسرائيل.

يتحول التنويري إلى ظلامي عندما يحتكر برأيه الحقيقة المطلقة، وبمشاعره المشاعر المطلقة، وحين يقيّم مواقف الآخرين على مسطرة موقفه "النموذجي"!

فأنا حزين على احتراق نوتردام التي كنت أحرص على وضعها في برنامج سياحة من يزورني في باريس من الأقارب والأصدقاء، لكن من حقي أيضاً أن أحزن على أن التراث العربي الذي تهدّم بيد روسيا وأميركا وفرنسا، والتراث الإسلامي الذي يتهدم الآن بيد الصين، لم يحظَ بالدرجة نفسها من الحزن والتنادي لإنقاذه، خصوصاً من لدن (التنويريين) العرب!

هذا التحيّز في الحزن (التحزّن)، يشبه حالتنا حين نهرول لتعزية الوجهاء والمشاهير عند حدوث حالة وفاة لديهم، لكننا لا نندفع بالاهتمام نفسه لتعزية أقاربنا أو معارفنا البسطاء!