قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

  رامي الخليفة العلي

أدلى الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع في المملكة العربية السعودية بحديث هام وشامل إلى الزميل غسان شربل في صحيفة الشرق الأوسط، تناول الحديث جملة الملفات التي تهم المملكة العربية السعودية سواء القضايا الداخلية ورؤية 2030 أو ملفات السياسة الخارجية وخصوصاً تزايد التوتر في منطقة الخليج العربي بسبب السياسات المتهورة التي يتبعها النظام الإيراني، وكذا التطرق إلى مختلف الملفات والأزمات التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط. في معرض رده على سؤال حول الدول الإيراني أكد الأمير محمد بن سلمان أن «الخيار واضح أمام إيران، هل تريد أن تكون دولة طبيعية لها دور بنّاء في المجتمع الدولي، أم تريد أن تبقى دولة مارقة؟ نحن نأمل في أن يختار النظام الإيراني أن يكون دولة طبيعية وأن يتوقف عن نهجه العدائي». وهذا كان على الدوام موقف المملكة العربية السعودية من النظام الإيراني، فعندما وصل رئيس إصلاحي إلى سدة الحكم وكانت هناك وعود بتغييرات على مستوى السياسة الإقليمية سارعت المملكة العربية السعودية إلى مد اليد للرئيس الإيراني محمد خاتمي، ولكن ثبت أن الخيوط كلها بيد الملالي وأن الرئيس خاتمي لا يمتلك من أمره شيئاً، وسرعان ما عادت إيران إلى سيرتها الأولى من تهديد لدول الجوار وسياسة تصدير الثورة وزرع بذور الفتنة الطائفية وكل السياسات التي عاثت فساداً في المنطقة وجلبت الخراب والدمار إلى شعوب المنطقة برمتها.

السؤال الآن: هل إيران قادرة على الرجوع إلى نموذج الدولة الحديثة؟ هل بإمكانها التعامل باعتبار المصالح وبناء علاقات حسن الجوار مع دول الإقليم؟ هل بإمكانها التخلي عن السياسات التي طبعت نهجها على امتداد العقود الأربعة الماضية؟ نخشى أن الإجابة هي بالنفي، فهذا النظام يفتقد إلى المرونة الكافية التي تمكنه من تغيير سياساته، وهذا هو ديدن الأنظمة الأيديولوجية وخصوصاً إذا كانت تلك الأيديولوجيا دينية. الخميني أسس نظام دولة خاصاً جدّاً يتفق مع بنيته العقائدية أكثر مما ينسجم مع الدولة الحديثة، وهذا كرس وصف «ما يشبه» بمعنى أكثر وضوحاً في إيران لا يوجد هناك رئيس يتمتع بنفس الصلاحيات التي يتمتع بها أي رئيس في أي دولة أخرى ولكن يوجد ما يشبه الرئيس بحيث تناط به بعض الصلاحيات التنفيذية وينفذ السياسات التي يتخذها الولي الفقيه. في إيران يوجد ما يشبه المجلس النيابي، ولكن هذا المجلس صلاحياته محدودة مقارنة مع أي مجلس تشريعي في أي دولة، فهو ليس السلطة الأعلى، وإنما الأمر يعود إلى نظام الفتاوي التي تعلو أي سلطة أخرى وتعود لفكر وتصورات الولي الفقيه. في إيران يوجد ما يشبه الجيش والمؤسسة العسكرية، ولكن في حقيقة الأمر القوة الحقيقية بيد الحرس الثوري، هذا الأخير هو دولة داخل الدولة ويتبع مباشرة للولي الفقيه وتناط به حماية الأمن والتدخلات الخارجية، وهو منظمة إرهابية كما صنفته الولايات المتحدة الأمريكية. في إيران يتكرس نظام الدولة الدينية الأكثر استبدادية باعتبار أن نظرية الولي الفقيه هي تحكم هذه الدولة بنظامها السياسي وكذلك بسياساتها الخارجية، باعتبار أن الولي الفقيه معصوم من الخطأ وهو يقارب مرتبة الأنبياء. وهنا علينا أن نفرق بين الشيعة الاثني عشرية وهذا التأويل المحدد والمرتبط بتصورات الخميني أكثر منه استنتاجات منطقية تستند للفقه الشيعي؛ لذلك فإن معظم الشيعة يرفضون معظم أطروحات نظرية الولي الفقيه.

هذا النظام الديني محمل بالأحقاد التاريخية ويعتمد في خطابه الأيديولوجي على إشاعة الانقسامات الطائفية والمذهبية. وهذا الأمر لا يرتبط بمكان ما أو بحقبة ما، وإنما هو جزء من النموذج الديني سالف الذكر. لذلك فإن عدوه الأول في المنطقة هو الوحدة الوطنية؛ لذلك عمل ويعمل على تأسيس منظومات عسكرية وأمنية وطائفية على شاكلة حزب الله الإرهابي. الحرب القائمة في اليمن والصراع الدائر في العراق والمحاولات الجارية على قدم وساق في سوريا، كل ذلك يهدف إلى تكريس هذا النموذج على دول المنطقة بحيث تتحول الحكومات في هذه الدول إلى مجرد دمى والقرار النهائي يعود إلى الولي الفقيه. وكما وصف الأمير محمد بن سلمان فإن «هذا النظام أعلن للملأ منذ عام 1979 أن أولويته وهدفه الرئيسي تصدير الثورة، ويسعى لذلك على حساب تطلعات شعبه، وعلى حساب شعوب المنطقة. هذا المحرك يفسّر تصرفات النظام الإيراني، فتصدير الثورة ومبدأ ولاية الفقيه يتطلبان زعزعة استقرار الدول والمنطقة، وإثارة الطائفية ونشر التطرف، وتسخير مقدرات الشعب الإيراني لتمويل المليشيات الإرهابية وتسليحها». لذلك يبدو من الصعب أن يغير النظام الإيراني من جلده لكي يكون جزءاً من المنطقة وجزءاً من النسيج الاجتماعي والتاريخي، فهذا النظام قرر أن يأخذ مكانه خارج التاريخ بأفكار أيديولوجية، وأمام كم الجرائم التي ارتكبها في سوريا والعراق واليمن وكل ما استطاع الوصول إليه، نخشى أنه احتل المكان الأسوأ من التاريخ.

نتمنى أن يستجيب هذا النظام الأيديولوجي لدعوات العقل والمنطق وأن يمد يده للسلام والأمن والمنطق الطبيعي الذي يسير الدول والأمم، ولكن أمام تجربة استمرت لأربعة عقود تبدو المراهنة على هذا النظام خاسرة وتضيق الخيارات أمام كل من يتعامل مع هذه الدولة المارقة.