قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 نوال السعداوى 

صفاء شابة مصرية تركت أسرتها فى مصر ورحلت إلى ألمانيا مثل الكثيرات من الشابات تنشد أن تعيش حياة أقل تعاسة، أن تهرب من جحيم أمها، قالت لم يكن أبى هو الجلاد بل أمي، بالطبع كانت سلطة أبى تتخفى وراء سلطة أمى، إذ كانت أمى تبالغ فى تسلطها لتُرضى أبى وتنال ثقته، ولتُرضى المجتمع كله والدولة والحكومة والمعلمين فى المدرسة ورجال الدين.

 سعت أمى إلى ختانى وأنا فى الثامنة من العمر، كانت الرقيب على حركاتى وسكناتي، حتى دخلت الجامعة بالجيزة، كنت جاهلة بكل ما يحدث لى من قهر، ثم أعطانى زميل لى بالجامعة بعض كتبك يا دكتورة نوال، انفتح عقلى على حقائق جديدة، أدركت كيف تحولت أمى من مقهورة إلى قاهرة لذاتها وبناتها، رغم أنها متعلمة تعليمًا عاليًا، إلا أن التعليم العالى لم يسهم فى تنويرها بالمعرفة الحقيقية، بل العكس أسهم التعليم فى تجميد عقلها وأصبحت متزمتة، وأصبحت حياتى تحت رقابتها جحيمًا، بخلاف أمها التى لم تدخل مدرسة فى حياتها، وهى جدتي، هربت من بيت أمى لأعيش مع جدتي، التى كانت تنظر فى عينى وتفهمنى وتشاركنى همومي، لم تكن أمى تنظر فى عيني، لم تكن ترانى أو تحس آلامي، كانت تنظر إلى أبى وخالى وعمي، وإلى الناس، وما يقوله الناس، وإلى نظريات فى تربية البنات ومبادئ فى الدين والسياسة والأخلاق، تحفظها من الكتب المدرسية أو تسمعها فى الإعلام وفى الإذاعات الدينية، والتى لعبت دورًا فى تجميد عقلها، وفقدانها الذكاء الفطرى الذى تتمتع به أمها، جدتي.

كانت جدتى تبتسم فى وجهى كل صباح، تنظر فى عيني، تقرأ لغة العين قبل اللسان وتفهم الابتسامة أو الضحكة أو التكشيرة، تفهم إن كنت سعيدة أو حزينة، لم يفسد التعليم مشاعر جدتى الطبيعية، لم يتحنط عقلها فى القوالب المحفوظة منذ آلاف السنين. عشت مع جدتى فى راحة بعيدًا عن طغيان أمى ثم التحقت بإحدى الجامعات فى برلين حيث التقيت بزميلى الألمانى مايكل الذى أصبح زوجى بعد أن اعتنق الإسلام، وأنجبت منه طفلين، زرتُ جدتى فى مصر، سألتها عن رأيها فى مايكل، قالت ماعرفوش ما شوفتوش لكن شفت ضحكتك.رنت كلمة شفت ضحكتك فى أذني، تذكرت جدتى الفلاحة أم أبى كانت تقرأ وجهى وتعرف مشاعرى دون أن أنطق كلمة، كانت تلعن عملية الطهارة أو الختان التى تعرضت لها فى طفولتها وأفقدتها طعم الحياة وطعم السعادة، ونضارة العيش. كان زوجى مايكل إنسانًا، متفهمًا لظروفى السيئة، أخذنى زوجى إلى طبيب ألمانى عالجنى من الختان إلى حد كبير، وأصبحت أمارس حياتى على نحو طبيعى وأنجبت طفلين خلال أربع سنوات من الحياة والراحة والاطمئنان.

لقد أسلم زوجى الألمانى كى يتزوجنى على سنة الله ورسوله، ولكن تم اصطياده بواسطة التيارات الداعشية الإرهابية فى ألمانيا والتى اصطادت أعدادا من الشباب والشابات فى أوروبا وحطمت حياتهم وحولتهم إلى إرهابيين، فتغير مايكل ولم أعد أعرفه، لم يعد هو زوجى الذى عرفته، فطالت لحيته وشواربه وأصبح أصوليًا يريد منعى من العمل وفرض الحجاب علي، بل على طفلته الصغيرة، ولم يكن يناقشنى بالعقل وحين أقول له لماذا تفرض الحجاب على طفلة، لا يعرف كيف يجيب، وتحولت حياتى إلى جحيم، واتصلت بجدتى فى مصر، وقلت لها إننى أنشد الطلاق من هذا الزوج، فوافقتنى جدتى ولكن أمى غضبت وقالت لى ماذا سيقول الناس عن طلاقك، كان زوجك الألمانى «إنسان كويس»، وما المشكلة فى أن يتشدد دينيًا، فى حين قالت جدتى من حقك أن تستمرى فى حياتك المهنية ولا تفقدى عملك وتسعدى فى حياتك، وكذلك تسعد طفلتك، وأن تضمنى لها مستقبلا جيدا وحياة طبيعية. قالت لى صفاء ماذا أفعل يا دكتورة نوال، فقد ماتت جدتى العام الماضي، ولم يعد لى أحد إلا أنت، وأمى ترفض طلاقى بكل قوة، وتجمع من حولها أفراد أسرتها وأسرة أبي، وتتهمنى بالتمرد منذ الصغر بسبب قراءاتى لكتبك، وأننى تركت البلد لأتزوج من ألمانى وكان يمكن أن أعيش هنا فى مصر مثل كل النساء، وأنا الآن فى حاجة إلى من يشجعنى على المضى فى طريقى حتى النهاية، إن لم يكن من أجل حياتي، فمن أجل حياة ابنتى وابني، نعم يا صفاء نحن ندفع ثمنًا باهظًا مقابل تحررنا ولكننا ندفع ثمنًا أفدح مقابل عبوديتنا.