أحمد الصياد

41 عاماً مضت لم تجد فيها اليابان سبباً وجيهاً لزيارة مسؤولها الأول إيران؛ منذ زيارة رئيس وزرائها السابق تاكيو فوكودا، إلى طهران عام 1978، أي قبل عام واحد من اندلاع الثورة الإيرانية.


في محاولة لتجميل الزيارة، التي تأتي بعد وقت قصير من زيارة ترامب إلى اليابان، وكان سبقه إلى طوكيو جواد ظريف وزير خارجية إيران، وتعزيزاً لفرص نجاحها، شاعت جملة من العناوين الخادعة، لعل أبرزها أن آبي أول رئيس وزراء ياباني يزور إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وأن البلدين يحتفلان بمرور 90 عاماً على تأسيس العلاقات الديبلوماسية بينهما. إلى جانب احتلال اليابان المرتبة الرابعة بين الدول المستوردة للنفط الإيراني في آسيا. فضلاً عن خطاب ترامب "الودود" عن "عظمة" الشعب الإيراني وفرصته الكبيرة في تحقيق إنجازات مع القيادة الحالية.

غير أنه بنظرة موضوعية للمشهد، وقراءة متأنية لدروس التاريخ، وأذناً مُصغية لحديث الواقع، ندرك كم أن اليابان أضعف من النهوض بمسؤوليات هذه الوساطة، وللتدليل على ذلك تخيَّل لو أن بوتين هو الذي يقوم بالوساطة بين واشنطن وطهران، لكن بأي ثمن سيقوم مقاتل السامبو بذلك؟ هذا هو السؤال الذي هرب منه ترامب، فكان خياره السهل: آبي رئيس الوزراء الياباني، المطيع في أدب والذي سبق وأن رشَّح ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام بطلب مباشر من الإدارة الأميركية.

فمن جهة، نجد أن اليابان لم تكن تعتمد على نفط إيران في أكثر من 5 في المئة من احتياجاتها، مقابل 90 في المئة تستورده من السعودية والإمارات. كما أن الأرقام تؤكد تراجع المعاملات التجارية اليابانية - الإيرانية؛ شأنها شأن المعاملات التجارية الإيرانية مع كثير من شركائها الدوليين، مثل الصين وألمانيا، بفعل العقوبات الأميركية وتأثيرها الضار على الاقتصاد الإيراني. إذ يزيد قليلاً عن أربعة ملايين دولار حجم الصادرات اليابانية إلى إيران خلال الفترة من كانون الأول (يناير) إلى شباط (فبراير) 2019، مقابل 83.3 بليون دولار خلال الفترة ذاتها من عام 2018. كما انخفضت واردات اليابان من إيران خلال الفترة ذاتها من 668 بليون دولار إلى 134 بليون دولار فقط. حتى أن اليابان كانت ضمن ثمان دول استثنتها أميركا من حظر استيراد النفط الإيراني، بعد قرار تمديده، ومعها الصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان وإيطاليا واليونان وتركيا، وهي من كبار مستوري النفط الإيراني، ولم يكن الاستثناء إلا تجنباً لارتفاع سعر النفط ليس إلا. وبالفعل التزمت الدول المعنية، بل إن اليابان أوقفت استيراد النفط الإيراني قبل انتهاء أجل الإعفاء أوائل أيار (مايو) الماضي، خشية امتداد المعاملات البنكية إلى ما بعد المهلة. ما يُشير إلى جدية الموقف الياباني الملتزم بالعقوبات الأميركية علي إيران.

وعلى رغم أن الوساطة تُعد من أهم الوسائل السلمية، وأكثرها استخداماً، لحل النزاعات الدولية، إلا أن وساطة آبي لم تتسلح بأوراق ضغط يمكن أن تنتج أثراً يُذكر على العقيدة السياسية للثورة الإيرانية التي يحمل لوائها علي خامنئي (80 عاماً) مرشداً وقائداً حقيقياً لإيران، وهو الذي كان قائداً للحرس الثوري عام 1979. تلك العقيدة التي تمثلت في رده على عرض ترامب المتكرر بشأن استعداده للتفاوض مع إيران؛ إذ قال: "لن نتفاوض حول "شرف الثورة".. لن نتفاوض بشأن قدرتنا العسكرية". لا يفوتك هنا أن تعرف أن خامنئي هو صاحب الفتوى المُضللة بأن الإسلام يمنع إنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة النووية.

وإلى جانب خلو حقيبة آبي من المحفزات؛ فإن المراقب لما صدر عن إيران قبل وساطة آبي، يتبين انعدام فرص نجاحها؛ الأمر الذي يعكس كيف أن اليابان لم تستفد من دقتها التكنولوجية في صياغة وبلورة وساطة مُحكمة تتوافر فيها عوامل النجاح. فنجد وسائل إعلام يابانية تناولت، بحسن نية مُفرطة، تصريح صدر عن مساعد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في لقاء له مع قناة NHK اليابانية، عبر فيه عن أمله في أن تُخفض زيارة رئيس وزراء اليابان من التوتر الحالي. ووجدت فيه "الترحيب الإيراني" بوساطة اليابان. بينما تم إغفال فحوى قول عراقجي: "قد تتمكن اليابان من أن تجعل الأميركيين يدركون الظروف الراهنة". وهو الذي يُشير ببساطة إلى أن على اليابان، وغيرها، توجيه مساعيهم نحو أميركا وليس إيران.

ومعروف عن النظام الإيراني المغلق توزيعه للأدوار على مسؤوليه، وفق اعتبارات معينة، تستند إلى وظيفة كل منهم، ومهمته في إنجاز أهداف السياسة الخارجية الإيرانية؛ فتشدد لا يلين يمثله دائماً المرشد الأعلى كرمز للثورة الإيرانية، والرئيس حسن روحاني، ووزير خارجيته جواد ظريف لديهم هامش يتيح لهما المناورة على الساحة الدولية، وفق ما تقتضيه الأحوال، ربما لأن العالم كله يعلم أن لا وزن حقيقي لهما في صناعة القرار السيادي الإيراني، بينما صغار المسؤولين ينتمون إلى العقيدة التي تمثلها أجهزتهم الداخلية على تنوعها. فعلى سبيل المثال نجد أن عراقجي، المنتمي إلى وزارة الخارجية، فله أن يميل إلى رئيسه الوجه الباسم الكاذب للثورة جواد ظريف. بينما مساعد رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، والعضو السابق في الفريق النووي الإيراني المفاوض، حسين موسويان، له أن يُظهر وجهاً آخر رأى فيه الكثير من المحللين أنه تعبير عن انفصال الرجل عن الواقع؛ إذ قال: "لا توجد فرصة لنجاح مهمة آبي لأن إيران لن تتراجع عن شرطها عودة أميركا إلى الاتفاق النووي، كما أن ترامب لن يفعل ذلك". واستطال خيال الرجل إلى أن اشترط لنجاح الوساطة اليابانية على ترامب "طرد الشخصيات الأميركية الداعية للحرب من هيئة صنع القرار الأميركي"!. في إشارة إلى مستشار الأمن القومي الأميركي المعروف بتشدده تجاه إيران جون بولتون.

وعليه، فقد عبر علي خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، عن أقصى درجات التشدد، الموكولة له حصراً كرمز للثورة الإيرانية، حتى أن وكالة فارس الإيرانية طيرت صورة، أتبعتها بتعليق مُهين؛ إذ ظهر رئيس الوزراء الياباني يجلس إلى المرشد الأعلى حاملاً رسالة ترامب، وما أن سمع خامنئي يقول: "إن ترامب لا يستحق تبادل رسائل معه.. وليس عندي رد عليه ولن أرد عليه"، حتى وضع آبي رسالة ترامب جانباً. ساعتها فقط أدرك آبي كم كانت الأوهام تُغلف الطموحات بلقاء ترامب - روحاني في قمة العشرين المقبلة التي ستُعقد بمدينة أوساكا اليابانية 28 - 29 حزيران (يونيو) الحالي، وفي طريق عودته إلى بلاده، ربما سمح الوقت ليجول في فكر الرجل أيضاً أن التفوق التكنولوجي والاقتصادي لا ينتج أثراً كبيراً في السياسة الدولية ما لم يكن مشفوعاً بنفوذ سياسي مماثل، وهو الذي تخلت عنه اليابان، طوعاً أو كراهة، بعد هزيمتها المخزية واستسلامها الذي وضع نهاية الحرب العالمية الثانية حين استقبلت مدينتا هيروشيما ونجازاكي قصفاً ذرياً أميركياً، استسلمت بموجبه دون شروط ثم وضعت نفسها تحت الحماية الأميركية، وامتنع عليها السلاح النووي.

والحال أن إيران، غير السعيدة بعدائها لأميركا، والراغبة بشوق في اعتراف أميركي بها كقوة إقليمية على حساب خطابها الثوري الكاذب الذي طالما ركبته وخاضت به داخل الشأن العربي، لم ترفض وساطة آبي، إنما تمنعت وهي الراغبة، بل رفضت الدرس الياباني القديم، واستنسخت المضمون المهين لاستسلام اليابان تحت وطأة الضرب الذري الأميركي، وقامت هي الأخرى بضرب ناقلة نفط يابانية أثناء زيارة آبي لطهران، لتؤكد له أنه، على الأقل، ليس الوسيط الأنسب.