قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد الوهاب بدرخان

من تصعيد حربي، واتفاق مع الصين، ينتقل دونالد ترامب إلى المشهد التالي في واشنطن: إسقاط مجلس الشيوخ طلب مجلس النواب عزله. لا مفاجآت ولا غموض، وحتى لو بدت شديدة وقاسية فهذه محاكمة يدخلها المتهم عارفاً نتيجتها مسبقاً، فالتصويت لمصلحته سيحسم في نهاية المطاف. كلّ ما يأمل به خصوم الرئيس أن تزعزع المحاكمة حملته ولا يُعاد انتخابه، لكن أعوامه الثلاثة الماضية في البيت الأبيض حفلت بالأحداث التي هزّت شعبيته، لكنها ما لبثت أن تستعيد مستواها، فمن كان ضدّه بقي ضدّه، ومن كان معه بقي معه، أما الوسطيّون فتتأرجح آراؤهم بحسب الظروف ولا يرون بين منافسيه من الحزب الآخر من يبدّل مواقفهم على نحو نهائي.

سيحاكم ترامب في قضية واضحة شبّهت بـ «وترغيت»، التي أطاحت الرئيس السابق ريتشارد نيكسون، لما فيها من تآمر على منافسه المفترض جو بايدن. وقد صاغ «ديموقراطيو» مجلس النواب تهمتين: إساءة استغلال السلطة، وعرقلة عمل الكونغرس بتصرفاته في«قضية أوكرانيا». تتعلّق الأولى بأنه انتهز اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأوكراني ليطلب معلومات عن أنشطة مشتبه بها لهانتر نجل بايدن أثناء عمله في كييف، والثانية بأنه ربط الإفراج عن مساعدات لأوكرانيا أقرّها الكونجرس بمدى تعاون رئيسها معه. الفارق بين نيكسون وترامب أن الأخير بادر سريعاً إلى الردّ على الاتهامات ومهاجمة متّهميه والتشهير بهم بدءاً بآدم شيف رئيس لجنة الاستخبارات إلى نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب إلى تشاك شومر رئيس الأقلية «الديمقراطية» في مجلس الشيوخ. وفيما اصطفّ «الجمهوريون» معه معتبرين أن القضية كيدية، إلا أنها بطبيعتها وتفاصيلها والشهادات التي أدليت في سياقها تنطبق عليها معايير المحاسبة بمعزلٍ عما إذا كانت تبرّر العزل أم لا.

في أي حال، يبقى الأسلوب الطاغي لترامب هو اللافت رغم ضراوة ناقديه، ويبقى تماسك شعبيته مؤشّراً مستغرَباً فجمهوره يمرّر بسهولة حتى تصرفاته التي يتجاوز بها الأعراف التقليدية للسلطة. استطاع هذا الرئيس أن يبرهن لفئات مجتمعه كافة أن وعوده الانتخابية موجودة يومياً على جدول أعماله، بما فيها تلك التي يشجعه معاونوه على نسيانها. ولعل اختزاله حججه في أكثر القضايا تعقيداً بأنه حريص على أموال أميركا هو ما يسهّل تواصله مع مؤيّديه. فخلافاته مع الصين، مع حلف الأطلسي، مع الجارتين كندا والمكسيك، ومع الحلفاء والأصدقاء، كما محاولته التقارب مع كوريا الشمالية، وصولاً إلى صراعه مع إيران، كلّها تتعلّق بالأموال والمصالح.

عشية المحاكمة وقّع ترامب مع الصين اتفاقاً تجارياً أولياً يلبي بعض مطالبه، ويمكّنه من إشهار ورقة انتصارية أخرى أمام ناخبيه. هدأت الحرب التي تخوّف كثيرون من أنها قد تتطوّر بشكل خطير، خصوصاً أن هناك مواقع استراتيجية كثيرة ككوريا الشمالية وتايوان تبقى متنازعاً عليها. وقبل ذلك استطاع ترامب أن يبدّل طبيعة العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين، حين اضطرّهم لزيادة التزاماتهم المالية في الأطلسي «إذا كانوا يريدون أن تواصل أميركا حمايتهم». كذلك ألغى اتفاق «نافتا»، الذي كان من ثوابت العلاقة مع كندا والمكسيك، وحصل أخيراً على اتفاق جديد.

وهكذا فإنه لم يكن ليتردد في الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، فارضاً أوسع وأشدّ حملة عقوبات عليها، واختلف عن الرئيسين اللذين سبقاه بأنه أوصل الصراع مع إيران إلى حافة المواجهة المباشرة عندما أمر باغتيال قاسم سليماني. كان ترامب أوحى بأنه يجازف فقط حين يناور، متجنّباً أي حرب، تحديداً لتفادي كلفتها، لكنه هذه المرّة اقترب جداً من إشعالها، ما أحرج حتى أقرب مناصريه «الجمهوريين». وبالمنظور الحالي بدت مخاطرته والردّ الإيراني المنضبط عليها كما أنهما محسوبان بدقّة، وبات اليوم أكثر شعوراً بالثقة في إدارة الأزمة مع طهران.

ثلاثة أعوام من «الانقلابات» الترامبية المثيرة للجدل داخلياً وخارجياً ستكون في خلفية المحاكمة لرئيسٍ لم يتوقّع أحد أن يُنتخب أو أن ينجح، وإذا بخصومه قبل مؤيديه يعترفون الآن بأنه غيّر قواعد السياسة الأميركية وصورة أميركا تجاه نفسها وفي العالم. وإذا أعيد انتخابه فالمؤكّد أنه سيواصل «انقلاباته» وإلا فإن سياساته ستباشر «الانقلاب» عليه.