قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

رؤوف قبيسي

في عهد الرئيس أمين الجميل، كان روجيه تمرز، المولود في القاهرة سنة 1940، اللاعب الاقتصادي الأكبر في لبنان. بين 1984 و 1988 شغل منصب رئيس مجلس إدارة "بنك إنترا" و "شركة إنترا للاستثمار"، لكن الخلافات السياسية بين أمين جميل وسمير جعجع، أدت وفق قوله، إلى تعثر "إنترا" وإفلاس بنك المشرق. مع نهاية حكم أمين الجميل، هرب تمرز من لبنان، ولاحقته بعد حين، مذكرة اعتقال دولية أصدرتها السلطات اللبنانية بحقه، بتهمة اختلاس وسوء إدارة، بطل مفعولها مع الزمن. لكن مهما يكن من أمر تمرز، وقضية "بنك المشرق"، ومن كان يومها على حق، ومن كان على باطل، فإن لدى هذا الرجل المثير للجدل والإهتمام، خبرة واسعة في حقل المال والأعمال، على المستويين العربي والدولي، تؤهله للنظر في أزمة مصرفية واقتصادية، كالأزمة اللبنانية.

في حوار هاتفي مفتوح مع "النهار" حذًر تمرز من اللجوء إلى صندوق النقد الدولي قائلا أن استدعاءه خطاً تاريخي، يؤذي غالبية الناس في حياتهم وطرائق عيشهم، مفضلا ان تجترح الحلول من "داخل البيت"، ولا حاجة بعدها في رأيه، لأي دعم أومساعدة من أحد، عربياً كان أم دولياً. يرى ايضاً أن على لبنان أي يسدد سندات اليورو المستحقة في آذار المقبل، البالغة قيمتها مليار و200 مليون دولار، وأن أي تخلف عن الدفع في رأيه، سيكون ايضاً خطاً تاريخياً، لكنه يوضح في الوقت نفسه، أن على لبنان أن يسدد "فقط" الجزء الخاص من هذه السندات، التي تملكها المؤسسات العالمية، تفادياً لنشر "غسيلنا الوسخ" في الخارج حسب قوله، أما الجزء الذي تملكه المصارف اللبنانية من هذه السندات، فيتم استبداله بأسهم في شركة لبنانية عالمية، تطرح أسهمها في بورصة لندن، وغيرها من البورصات.

لكن ما هي هذه الشركة اللبنانية العالمية التي يقترحها تمرز، وما طبيعة الأصول التي سوف تملكها لتكون لأسهمها قيمة معتبرة؟

يقول إنها "أنترا" بالذات، لكن بعد تحويل الشركات اللبنانية الحكومية إلى ملكيتها. يستلهم تجربة ماضية تعود إلى فترة الستينات قام بها بالتعاون مع الرئيسين، رينيه معوض ورشيد كرامي، وأدت إلى إنقاذ بنك "إنترا". يصف تلك التجربة، بأنها كانت ناجحة بكل المقاييس، وحمت ودائع المودعين كافة. يقول إن "إنترا" "واجه في العام 1966، حالة ذعر أدت إلى هرولة المودعين نحو البنك لسحب ودائعهم، فتوقف البنك عن الدفع لقلة السيولة لديه، لكن كانت لديه استثمارات طويلة الأمد في قطاع العقارات، حمته من التصفية، وساعدت على القيام بعملية "إعادة هيكلة" لأصوله، أدت إلى استبدال ودائع المودعين بأسهم في شركة إنترا للإستثمار".

في رأي تمرز المقيم في باريس، والحامل جنسيتين، لبنانية وأميركية، أن بإمكان لبنان اليوم أن يفعل الشيء نفسه، لأن البلد يمر في أزمة مالية ونقدية واقتصادية مزمنة، لم يشهد مثيلاً لها في تاريخه، وحلها في رأيه "سهل وبسيط"، شريطة أن تسن الحكومة قوانين جديدة تتعلق بالديون وطرق تسديدها، وتنظم العمل المصرفي، وتؤدي إلى رفع يد أصحاب المصارف عن مصارفهم، تمهيداَ لوضع إداراتها بيد من صاروا يملكون الحصص الغالبة في هذه المصارف، وإيجاد نهج في العمل جديد، مغاير كل المغايرة، لما هو سائد حالياً، يقوم على فك القيود عن الشركات الحكومية، وتحويلها إلى القطاع الخاص.

يرى تمرز أن في الساحة أربعة لاعبين:

اللاعب الأول، الشريحة الواسعة من المواطنين الفقراء وذوي الدخل المحدود، ونسبتهم 85 في المئة من الناس. "هؤلاء على المصارف أن تعطيهم أموالهم، من دون اقتطاع أي نسبة منها ولو يسيرة، وإلا واجه البلد أزمات أمنية وإجتماعية وأخلاقية ليس بمقدوره تحملها".

اللاعب الثاني، السلطة الحاكمة، أو الحكومات التي تعاقبت على حكم البلد، وأوصلته إلى ما هو عليه من محن، وهذه لا يمكنها تحمل تخلف لبنان عن دفع ما هو مستحق عليه في الأسواق العالمية، وأي تخلف ، سيؤثر في أهلية لبنان الإنتمانية في العالم، ويؤذي الفقراء اللبنانيين في الدرجة الأولى. يرى أن الدين العام، يجب أن يقسم إلى قسمين: القسم الأكبر منه، أي ديون المصارف على الحكومة، يستبدل بأسهم في شركة " إنترا"، المدرجة في البورصات العالمية، بعد ضم المؤسسات الحكومية إليها، مثل شركة الهاتف الخليوي، وشركة المرفأ، وكازينو لبنان، وشركة "ميدل إيست" وغيرها. بهذه الطريقة تتحرر الحكومة من التبعية، ولا تعود مديونة. القسم الثاني هو الديون الخارجية، نحو 20 مليار دولار، ونسبتها معقولة، ويمكن البلد تسديدها مع الزمن، إذا قضي على الفساد، وتغير المناخ السياسي في البلاد.

اللاعب الثالث، أصحاب المصارف الذين ما عادوا يملكون الحصص الغالبة في مصارفهم بسبب تراجع قيمة أسهمها في السوق. على هؤلاء أن يدفعوا الثمن، ويقبلوا بخلطة الأوراق الجديدة، ويتخلوا عن إدارة مصارفهم لأصحاب الودائع الكبيرة، الذين سيكون لهم وحدهم دون غيرهم، الكلمة الفصل في إدارة هذه المصارف.

اللاعب الرابع، المودعون الكبار، وهم 2 في المئة من أصحاب الودائع. هؤلاء، برأي تمرز، راهنوا على الأرباح الكبيرة في لبنان، وجاء الوقت الذي يتعين عليهم فيه دفع الثمن، لأنهم اغتنوا من النظام القديم، ووصلت أرباحهم السنوية في إحدى الفترات، إلى 40 في المئة، وهي نسبة لا مثيل لها في أي دولة في العالم! أموال هؤلاء لن تذهب سدى على أي حال، ولن تتعرض إلى تدابير الإقتطاع النسبي (هيركت) بل ستتحول إلى أسهم في "إنترا" العالمية.

الليرة والدولار

يعتقد تمرز أن الاستمرار في ربط الليرة اللبنانية الضعيفة بالدولار القوي "مسخرة"، لأن الولايات المتحدة ليست الممول الأول للبنان، أو شريكه التجاري الأول. في الأشهر الماضية الأخيرة تراجع سعر صرف العملة اللبنانية أمام الدولار، ما أوجد نقصاً منه في السوق وجعل له سعرين، واحد متقلب في سوق سوداء، وآخر رسمي بقي على حاله، ونشأت من ذلك كله فرص الإثراء عن طريق التجارة بالأسعار. الحل في رأيه، ربط العملة اللبنانية بسلة عملات، يكون الدولار إحداها، لكن تعتمد اليورو كأساس، لأن الإتحاد الأوروبي، هو الشريك التجاري الأول مع لبنان. لا يحبذ الرجل سعر صرف ثابت لليرة تجاه الدولار، مشيراً إلى أن هذه السياسة بقيت مستمرة بفعل الفوائد العالية، ما زاد في حجم الديون، التي دفعها الفقراء اللبنانيون من ودائعهم للمصارف اللبنانية، ودفعتها هذه المصارف للأسواق العالمية".

لا يرى تمرز أملاً في تحسن الاقتصاد اللبناني إلا بالإجراءات التي سبق ذكرها، وتغيير السياسة الاقتصادية التي طالما رجحت كفة قطاعي العقارات والخدمات المالية، على كفة القطاعات المنتجة الأخرى، وبوضع قوانين تلغي نظام الاحتكار، ونظام "الوكلاء المعتمدون" ليتحرر الاقتصاد اللبناني تحررا كاملاً (إيكونومي ليبرال). أما الهندسة المالية التي نفذها مصرف لبنان، فقد اعتبرها تمرز أكبرعملية "بونزي" في التاريخ، وقامت على مزيد من الإستدانة لدفع مستحقات الديون، والدفع للمستثمرين، من أموال من جاء بعدهم من المستمثرين! هذه السياسة، بقيت في رأيه، مستمرة إلى يوم اندلعت فيه أحداث سوريا في العام 1911، بعدها تراجع الاقتصاد، وزاد العجز في الموازنة. لكن الفرق بين عملية "بونزي" التي اعتمدها لبنان، وتلك التي اعتمدها المحتال العالمي بيرني مادوف، أن عملية هذا الأخير في رأي تمرز، أثرت في مصالح مئات من الأثرياء الكبار، في حين أن العملية التي نفذها مصرف لبنان أثرت في حياة اللبنانيين كلهم!