قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

كمال بالهادي

سارعت الطبقة السياسية والإعلامية في تونس إلى فتح كتيّب الدستور من جديد، وإعادة تقليب صفحاته، وتمحيص بنوده؛ من أجل إيجاد مخرج للأزمة السياسية التي تردت فيها البلاد؛ بعد تعسّر تشكيل حكومة جديدة منذ انتخابات السادس من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وبقطع النظر عما إذا كان الفرقاء بإمكانهم تشكيل حكومة في الآجال الدستورية، من عدمه، فإنّ النقاشات كشفت مواطن الضعف التي لا تسمح فقط باللعب على الكلمات؛ بل بالعبث ببنوده؛ لتحقيق مصالح حزبية ضيقة.
الرئيس قيس سعيد، هاجم من وصفهم ب«أصحاب الغرف المظلمة» والذين يسعون إلى عقد صفقات، ويناورون تحت عباءة الدستور، وهو هجوم قوي، وفيه اتهامات مباشرة إلى الذين يرغبون في تأويل النص الدستوري؛ للإفلات من الاستحقاق الانتخابي؛ عندما تنقضي الآجال،
ولا يتمّ تقديم الحكومة لمجلس نواب الشعب؛ لنيل الثقة. الرئيس وفي تصريح مقتضب قال ما معناه، إن «العبث بالدستور» أمر مرفوض، وأنه لن يسمح بأي مناورة؛ لتجاوز صلاحياته كرئيس أعيدت له مهمة تكليف الشخصية الأقدر؛ بعد أن فشلت الأحزاب الفائزة في تمرير حكومتها الأولى.

الاتهامات تتجه مباشرة إلى حركة «النهضة» التي فاجأت الجميع؛ بإعلان عدم منحها الثقة لحكومة إلياس الفخفاخ، على الرغم من المشاورات المضنية معها، وعلى الرغم من تأكيد الفخفاخ نفسه على أنه منحها أغلبية المناصب الوزارية المسندة إلى الأحزاب السياسية، وهنا يعتقد المراقبون أنّ النهضة أرادت برفضها التصويت لما يُسمى حكومة الرئيس، الإفلات من سيطرة مطلقة للرئيس على الحكومة الجديدة، وهي ترى أنّ زمام الأمور إذا انفلتت من يدها لن تستطيع الإمساك به من جديد، خاصة أنّه لا أحد يمكنه التشكيك في شريعة الرئيس المنتخب،
ولا أحد من الأحزاب يمكنه المنافسة في الشعبية.
ومن هذا المنطلق يصبح تأويل الدستور هو المعركة القانونية الجديدة التي ستستعر رحاها بين قصري باردو وقرطاج.
فالرئيس يتمسك بالآجال الدستورية، ويضع النهضة أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما تشكيل الحكومة وفق الآجال أو حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة، و«النهضة» تقول عبر قياداتها، إنها تريد إشراك الأحزاب في مبادرة جديدة؛ لسحب الثقة من الحكومة، وتكليف شخصية جديدة بتشكيل حكومة جديدة قبل الخامس عشر من مارس/آذار؛ وهو الموعد النهائي لما تسميه الآجال الدستورية. ولكن لماذا ذهبت «النهضة» إلى سحب الثقة من الفخاخ؟ الأمر بدا واضحاً لدى القيادي عبد الكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى حركة «النهضة» الذي أكد أن الحركة بلغها أن حركة «تحيا تونس» يقودها يوسف الشاهد، رئيس الحكومة المتخلية، اتصلت بحزب «قلب تونس» لإشراكه في الحكومة، وعزل «النهضة» وتهميشها، وفق قوله، وأضاف الهاروني: إن «من يخطط لهذا الأمر يلعب بالنار، ولا تهمه مصلحة البلاد».

يبدو جلياً أنّ هناك حرباً باردة بين الرئاسات الثلاث، وهذه الحرب سرعان ما تنتشر شرارتها في وسائل الإعلام، وفي مواقع التواصل الاجتماعي؛ ليختلط الحابل بالنابل في تفسير الدستور، وفي إيجاد تبريرات لهذا الطرف السياسي أو ذاك، كل طرف بما يخدم مصلحته الضيقة.
والرئيس باعتباره الضامن للدستور، سيكون عملياً ضد أي توجه من قبل «النهضة» لعزل الحكومة الحالية؛ (حكومة تصريف الأعمال)، وتكليف شخصية جديدة تتوافق عليها الأحزاب، علماً أن «النهضة» تبدو في قطيعة مع «تحيا تونس» و«التيار الديمقراطي»
و«حركة الشعب»

والحزب الحر الدستوري، وكتلة الإصلاح الوطني، ومع عدد من المستقلين الذين لن يغامروا بالركوب في ركابها. حتى إن واصلت «النهضة» في خيارها مستندة إلى عملية حسابية تمكنها من تشكيل حكومة مع كل من «قلب تونس» و«ائتلاف الكرامة» ما يعطيها 111 مقعداً وهو عدد كفيل بتمرير حكومتها، فإنها ستصطدم برفض الرئيس تمرير الحكومة إلى مجلس النواب؛ لنيل الثقة، هذا فضلاً عن أن ائتلاف الكرامة يرفض المشاركة في حكومة يكون «قلب تونس» شريكاً فيها. ومن هنا فإن «النهضة» التي ترفض أن يتم الانقلاب عليها، غير قادرة هي الأخرى على الانقلاب على الصلاحيات الدستورية للرئيس. ويبدو واضحاً أن الخطاب القوي لرئيس الحكومة الذي رفض فيه رفضاً تاماً ما سماها «المناورات تحت عباءة الدستور»، ينبع من قناعة بوجود محاولات؛ للانقلاب عليه ولعزله في قصر قرطاج، حتى قبل أن ينهي المئة يوم الثانية من حكمه. وفي كل هذا العبث الدستوري، تشتد الأزمة الاقتصادية، وتزيد وطأتها على التونسيين.