وصلت الطائرة الساعة السادسة مساء إلى مدينة الكويت، اشتقت للكويت ليس لأني كنت غائباً عنها لأكثر من شهرين، فقد تعوّدت الغياب عنها لمدد أطول، ولكن لأني هذه المرة لم أستطع العودة إليها قسراً.

"الحمد لله على السلامة، نوّرت الكويت".

بابتسامة غير مرئية، استقبلنا شباب كويتي بعمر الورد، حال الكمّام- كمّمه الله- من دون رؤية ابتسامة ترحيبهم. قياس الحرارة، سؤالان حول الحالة العامة للصحة. "تفضل". مسحة فحص بالمنخر، وإسوارة إلكترونية للمعصم وتطبيق على هاتفي المتنقل، والتوقيع على تعهّد بعدم الخروج من البيت حتى 22 مايو (أيار) الحالي. وقّعت وخرجت بعد ختم الدخول.

صار الحجر لغزاً، فأرسلتُ للشاعر الصديق حمود البغيلي أسأله عنه:

يا حمود ما مرّت عليك المجاهيم

عشرين مع ثمانِ تجري وراها

فيها قيود ملحّمه دوم تلحيم

وعقالها باليد ثابت معاها

انته تجيب العلم فاهم وفهّيم

هات الجواب إن كان عندك نباها.

مضى أسبوعان وقت كتابة هذه المقالة: "هانت!" تُمنّي النفس تفاؤلاً. "حشر مع الناس عيد"، تستذكر أن مليارات من البشر تشاركك حالة الحجر- وإن بدرجات.

أنا كويتي قاعد وسط بيتي

بين الكتاب وبين لجة البزران

"ونّس نفسك".

"مذكرات محجور"، "بين الحجر والكورونا"، "أيام كنتُ محجوراً"، وهكذا بعض عناوين تقرأها بالتواصل الاجتماعي، فالمحجور يلعب دور مناضل من أجل الحرية، يقبع خلف قضبان حاكم ديكتاتور بشع بلا رحمة أو عدالة اسمه كورونا.

لعل كلمة الحجر من أكثر الكلمات انتشاراً هذه الأيام، وهي عربية صحيحة، والحجر المؤسسي كان يُسمى في الستينيات في الكويت "الكرنتينا" وأصلها من اللاتينية "QUADRAGINTA" أي أربعين، ويُقال إنها جاءت كمصطلح من مدينة البندقية الإيطالية التي كانت ميناء مزدهراً يمنع السفن وقت الأوبئة والأمراض المعدية من الرسو فيه مدة أربعين يوماً أي (QUARANTA) بالإيطالية، وذلك كي يتحقّقوا من خلوّ بحارتها من الوباء، ومن QUARANTINA)) أي الأربعينية، جاءت كلمة الكرنتينا من الكويت، وهو مستشفى للتعافي غالباً من مرض السل المعدي الذي كان منتشراً. وفي ذلك المستشفى، عولج الشاعر العراقي المعروف بدر شاكر السياب، ومات مريضاً معدماً قبل بلوغه الأربعين (1926-1964)، وكان يجود بكل ما يعطيه الآخرون، فيتحسّر على العودة إلى العراق، وكانت آخر قصائده "غريب على شاطئ الخليج"، ومنها:

واحسرتاه فلن أعود إلى العراق،

وهل يعود من كانت تعوزه النقود؟

وكيف تدّخر النقود وأنت تأكل إذ تجوع؟

وأنت تنفق ما تجود به الكرام على الطعام؟

وسوى انتظارك دون جدوى للرياح وللقلوع.

ومن جذر كلمة حَجَرَ جاء الحَجَر الذي تُبنى منه الحُجَرة، والجُحر جناس يعكس تقارب المعنى، فالجُحْر "ملجأ" الحشرات والقوارض والزواحف وبعض الحيوانات كالثعالب والذئاب.

والحُجَرية، مدينة بالقرب من تعز اليمنية، وهي مسقط رأس عبد الفتاح إسماعيل، زعيم الحزب الاشتراكي اليمني ومنظّره الذي قُتل في اقتتال الرفاق بعدن عام 1986. والحُجَرية ليست كالحجيرة، فالحجيرة قرية صغيرة في حضرموت لا يتجاوز سكانها العشرات، ولو لم يخلّدها الفنان الراحل الكبير أبو بكر سالم لما ذكرها أحد، فلقد غنى لها:

حد في الحجيرة... أو ترى الناس طلعوا عالخضيرة...

كما أن الحجر بلغة أهل "الشيشه" و"الأرجيله" هو الجمر لإشعال التبغ وتدخينه، وحين ينادي مناديهم على عامل المقهى: "عبّي حجر يا واد"، أي أشعل التبغ بقطع الفحم فقد انطفأت ناره. ولعلّ النار والطاقة وراء تسمية البطارية بالحجر في بعض اللهجات: "البِجلي ما فيه حَجَر"، أي أن المصباح الكهربائي اليدوي بحاجة إلى بطارية.

والحجر قد يكون ثميناً كالزمرد واللؤلؤ والمرجان، وقد يكون مقدساً كالحجر الأسود في الكعبة في مكة المكرمة.

وتغنّى "أطفال الحجارة" من أهل فلسطين بأحجارهم:

يا حجاره، يا حجاره، إنتِ البحر ومحّاره.

والحِجري عادة قبلية قديمة وبغيضة، يحجر الواحد على ابنة عمه كي لا تتزوج غيره، فهي "محجورة" بتسكين الميم وفتح الحاء، وهي "محجّرة" أو محيّرة بلغة قبائل العراق. ولعلّ هذه العادة الظالمة قد انتهت وأصبحت من "العصر الحجري"، فمن يمارسها لا شكّ في أنه إنسان "متحجّر".

والحجر بكسر الحاء هو الكنف، فهو في حجر جده أي برعاية جده، كما ورد الحِجر بمعنى العقل- حسب المفسرين- في القرآن الكريم بقوله: "هل في ذلك قسم لذي حِجر".

وفي المثل الشعبي "لا يحذف، ولا يجمع حيود"، والحيد هنا بمعنى الحجر، وسمعتها "لا يحذف، ولا يلقّط صخر"، والصخر هنا بمعنى الحجر أيضاً.

شاع اسم صخر كاسم علم بين العرب، ولم ينتشر اسم "حِجر" مثلما انتشر اسم صخر، ولا أذكر في أسماء القدماء سوى الصحابي حجر بن عدي الذي قتله معاوية بن أبي سفيان لمشايعته ومناصرته لعلي بن أبي طالب.

فعلى الرغم من أن الحِجر جاء بمعنى الكنف والعقل، والصخر جلمود صلب لا عقل فيه ولا كنف، إلّا أنّ العرب تسمّي صخراً وقلّما تسمي حِجراً حتى في أيامنا هذه، هناك اسم الحجار لمن يعمل في الحجارة للبناء، وسمعتُ بالحصّاي لمن يعمل في جمع الحصى لعمل الكونكريت، لكن لم أسمع بصخّار على الرغم من أن الصخر من مكونات البناء!

الحجر مصطلح وقائي طبي شائع ومنتشر هذه الأيام، تسلّل في علم المعاني ليفرض كتابة هذه المقالة، ليقرأها المحجور مللاً وغصباً، وكل محجور مأجور– وآه كم طال الهجر بسبب الحجر يا محجور!

مواضيع قد تهمك :