قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

قبل هبوط طائرة الزعيم الخميني في مطار مهراباد عام 1979 قادماً من فرنسا، كان الشعب الإيراني يعيش مآساة مركبة. أزمة اقتصادية عضوية بسبب السياسات الخاطئة للشاه محمد رضا بهلوي، وأزمة سياسية مصطنعة (غير عضوية) ساهم في إشعالها طابور الخميني الخامس في الداخل، بمساعدة استخبارات دول غربية.
هرب بهلوي إلى المنفى بعد وصول الخميني بأشهر، ودانت الأمور للثائر العائد، وبقيت الأحوال الاقتصادية كما هي. بدأت الحرب العراقية الإيرانية، فانتكست الأحوال المعيشية إلى ما هو أسوأ، لكن المواطنين البائسين أجلوا فكرة الازدهار قليلاً، على أمل أن تنتعش الاقتصاد بعد الانتصار على العراقي الذي يريد أن يكسر شوكة إيران!
ثمان سنوات على قيد الانتظار في زمن الحرب، أعقبها ثمان سنوات أخرى على قيد الانتظار، إنما في زمن السلم، وثمان أخرى، وثمان أخرى. لم يأت الازدهار، ولم تذهب الحاجة!
ومن أجل الالتفاف على متطلبات الشعب الاقتصادية، والقضاء تماماً على أحلام الإيرانيين في الديمقراطية، نقل رجال الدين مشكلة الداخل إلى الخارج، ليوحدوا الجبهة الداخلية، ويشغلوها بتفاصيل جديدة من جهة، ويصنعوا بعداً إقليمياً لثورتهم الأولى من جهة أخرى من خلال الامتداد على الأرض، بمساعدة مجموعات من العملاء الذين باعوا أوطانهم مقابل حروف «نظرية مخلص» فشلت في إثبات صحتها في بلدها الأم!
هكذا بقي رجال الدين في الحكم كل هذه السنوات، وهكذا يسير على دربهم رجال الحكم الجدد في تركيا. أردوغان هو الخميني. ونظام بهلوي هو الجيش التركي الذي كان يفرض العلمانية الزائفة والديموقراطية الوهمية بالقوة. والعملاء الجدد هم «الإخوان» الذين وجدوا في «نظرية أردوغان» جسراً يعبرون من خلاله إلى أراضي أحلامهم.
لم يأت أردوغان بالطائرة من باريس، لكن انقضاضه على الحكم في تركيا كان شبيهاً بهبوط طائرة الخميني في مطار مهراماد. ولم ينحل الجيش التركي، لكن اختفاءه كان شبيهاً بذوبان بهلوي في المنافي العالمية.
اختفى الجيش من الشارع، وغاب التابعون له في كراسي الحكم. هل ازدهرت تركيا سياسياً؟ لا. هل ساهم الأردوغانيون الجدد في تعافي اقتصاد بلادهم؟ لا. هل تنفس المواطنون الديمقراطية الحقيقية والعلمانية الأصيلة؟ لا. إذن لا بد من الانسياح في الأرض بمساعدة العملاء الذين يحملون «الجنسية الإخوانية» في البلاد العربية. ولتكن دولة خليجية صغيرة وليبيا هما نقطتا الابتداء. لتكن المشاكل الخارجية هي الصخرة التي تتكسر عليها كل المشاكل الداخلية التركية.
يعمل أردوغان منذ أن تخلص من خصمه اللدود «أحمد داؤود أوغلو» على محاولة عكس نظرية «تصفير المشاكل». ففيما كانت نظرية الثاني تختص بالمشاكل الخارجية، الأمر الذي يفتح جحيم التنوع في الداخل، قرر الأول أن يتنوع في مشاكله في الخارج، ليُصفر مشاكله الداخلية.
يدرك رجب طيب أردوغان جيداً، أن المشكلة الداخلية قد تطيح الرئيس، فيما تقتصر المشاكل الخارجية على سقوط ثلاثة أو أربعة جنود أتراك كل شهر. يا لهذا الثمن البسيط!