قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هل تصدق رسائل تركيا العلنية والسرية للتقارب وللمصالحة مع مصر؟

هل يمكن لهذا النظام الحالى أن يتحول بين ليلة وضحاها من حالة عداء كامل على جميع المستويات إلى الإعلان عن رغبة كاملة فى علاقات طبيعية مع مصر؟

ما الذى تغير فى المعادلة، وفى الظروف؟! الرئيس التركى لم يتغير، والرئيس المصرى لم يتغير، والمواقف الثابتة لم تتغير، ما زالت مصر ضد الإرهاب التكفيرى، وما زالت تركيا مع جماعة الإخوان، وما زالت تركيا تتحالف مع قطر، وما زالت مصر مع السعودية والإمارات والبحرين، وما زالت تركيا تدعم حكومة السراج والميليشيات، وما زالت مصر تدعم الجيش والبرلمان الشرعى، وما زالت تركيا وقطر تدفعان إثيوبيا لتعقيد ملف مياه النيل، وما زالت مصر والسودان تقاومان هذا المخطط الشرير.

ما هو المتغير الذى يجعل ياسين أقطاى، نائب أردوغان فى الحزب الحاكم، يتغزل فى الجيش المصرى ومكانته وقوته؟ وما الذى يجعل وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو يؤكد أن مصر لم تعتد على المجرى التجارى البحرى التركى من خلال أى اتفاقية بحرية عقدتها، وأن يدعو مصر للحوار من أجل نزع التوتر فى المنطقة وترسيم حدود بحرية بين البلدين على غرار ما تم الاتفاق عليه بين تركيا وليبيا!

فات وزير خارجية تركيا أن يدرك أن مصر دولة قوية ذات سيادة، ورئيسها زعيم منتخب له شعبية جارفة، يقود جيشاً قوياً واقتصاداً واعداً، وليس -لا سمح الله- مثل السراج وحكومته المنتهية ولايتها والمنزوعة السيادة!

إذن التغير هو فى معادلات القوى لدى الطرفين!

الطرف التركى ظهرت مظاهر ضعفه الضاغطة عليه محلياً ودولياً وعالمياً، والطرف المصرى أظهر قواه محلياً وعسكرياً وإقليمياً ودولياً.

ثبت للطرف التركى بما لا يدع مجالاً للشك خمسة أمور أساسية خاصة بمصر:

1 - أن نظام الإخوان المسلمين فى مصر بلا مستقبل سياسى داخل مصر، والرهان عليه هو فى أعلى فوائده السياسية من باب «المشاغبة السياسية» ولكن لا يمكن اعتباره طرفاً فاعلاً فى المعادلة الداخلية المصرية.

2 - أن نظام الحكم الذى وصل للسلطة بثورة شعبية فى يونيو 2013، لم يسقط كما توقعت مصادر قطر والإخوان، بل إنه يقوى بشكل متصاعد وسريع.

3 - أن التقارير الدولية لأداء الاقتصاد المصرى فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، وعلى رأسها صندوق النقد الدولى، والبنك الدولى، وهيئات التصنيف الدولية، كلها تُجمع على استقرار أداء الاقتصاد المصرى، وتصنيفه كقوة اقتصادية صاعدة، بناء على ارتفاع مؤشر معدل التنمية والناتج القومى وانخفاض البطالة والسيطرة على التضخم.

4 - أن ما حدث منذ العام 2013 أى منذ أن أصبح الرئيس عبدالفتاح السيسى وزيراً للدفاع حتى الآن فى رفع كفاءة الجيش المصرى ونوعية تسليحه المميز قد أحدث نقلة نوعية غير مسبوقة جعلت منه الجيش التاسع تصنيفاً على مستوى جيوش العالم، وهو مركز يتقدم فيه عن الجيش التركى.

وقد ظهر واضحاً رسالة الردع التى أظهرها هذا الجيش فى استعراض القوات فى قاعدة «سيدى برانى» وفى مناورات الأسلحة المشتركة التى أجراها الجيش بالذخيرة الحية منذ شهر مضى.

ذلك مكّن الرئيس السيسى، القائد الأعلى للجيش المصرى، أن يحدد بشكل مباشر وشجاع قواعد الاشتباك فى ليبيا حينما أعلن أن خط الجفرة- سرت هو خط أحمر، إذا ما تم تجاوزه فإن ذلك يعطى كامل الشرعية لجيش مصر للتدخل.

5 - أدرك أردوغان أنه بلا حليف صريح وواضح فى عملياته التوسعية فى المنطقة، وخاصة فى ليبيا وشرق المتوسط.

يواجه أردوغان فى خلال عشرة أيام موقفاً جماعياً غاضباً وصل إلى حافة استنفاد الصبر الأوروبى مع سياسته.

قامت الولايات المتحدة علناً بدعم اليونان وقبرص من خلال زيارة مايك بومبيو، ومن خلال المناورات الأمريكية المشتركة.

قامت واشنطن بوعد اليونان وقبرص بمساعدات عسكرية.

قامت فرنسا بقيادة التصعيد ضد سياسة تركيا فى شرق المتوسط وليبيا، ووافقت على بيع طائرات «الرافال القاذفة المقاتلة» لليونان وكذلك بيع قطع بحرية مميزة لها.

وثبت أيضاً أن التعاون السياسى الحديدى بين القاهرة ونيقوسيا وأثينا غير قابل للتفكك، وأن التعاون العسكرى بينهم فى أمن شرق المتوسط قوى، وأن ترسيم الحدود البحرية بين الدول الثلاث يُفقد أى شرعية لأى مزاعم تركية فى حقوق بحرية.

من مع تركيا الآن؟

بوضوح قطر، وحكومة شمال قبرص، وحكومة السراج المتصدعة!

وفى الداخل التركى تقول التقارير الرسمية الصادرة بالأمس من الجهات المصرفية التركية إن الليرة التركية فقدت منذ يناير الماضى 26٪ من قيمتها، ووصلت هذا الأسبوع إلى أدنى مستوى تاريخى لها منذ الثمانينات!

ووصلت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكى فى أسواق الصرف المحلية 7.9461 ليرة!

فى ذات الوقت هناك غضب شديد داخل قطاعات الشباب التركى من ارتفاع معدلات البطالة وشيوع الفساد الحكومى!

وتقول أيضاً التقارير إن التصنيف الائتمانى لتركيا فى خطر، ولا إنقاذ له إلا إذا ثبت بالفعل وجود تلك الاحتياطيات الكبرى من الغاز والنفط التى يتشدق بها أردوغان فى البحر الأسود.

إذن الرغبة فى مد الجسور -مؤقتاً- مع مصر لها 4 أهداف:

1 - عناصر ضعف فى الموقف التركى.

2 - عناصر قوة لدى الموقف المصرى.

3 - لجوء الحليف القطرى إلى محاولة مصالحات عبر وساطات مع الإمارات والسعودية اللتين تعتبران أنه لا مصالحة بدون إيقاف كل الأعمال العدائية ضد مصر.

4 - شعور أردوغان بزيادة خسائره السياسية وقلة أنصاره تجاه مغامراته التوسعية فى المنطقة.

هنا يجب أن تفرق تماماً بين أهمية تركيا كجغرافيا، وكتاريخ، وكدور، وكقوة إسلامية سنية مؤثرة، وكلاعب مهم على المسرح الاقتصادى، وكقوة عسكرية فاعلة، وبين الجنون الأيديولوجى، والحماقات السياسية لأردوغان وأقطاب حزبه الأيديولوجى المتطرف.

يمكن الثقة بتركيا من خلال الأفعال لا الأقوال، ولكن يصعب تماماً تصديق أى حرف من حروف أى تعهد ينطق به رجب طيب أردوغان حتى لو قال لنا «جونا دين» أى بالتركية «صباح الخير»!