نظرا لارتباط الاقتصاد المعرفي بمبادئ العولمة، ومن أهمها نشر ثقافة المعرفة والابتكار والإبداع على المستوى العالمي، تسعى المملكة اليوم إلى تطوير قدراتها التنافسية بين دول العالم المتقدم، لتنمية الفكر والبحث وتوطين المعرفة، ودمجها بالأنشطة الاقتصادية. في الماضي كان النمو الاقتصادي يعتمد على العوامل الثلاثة الأساسية، وهي الأرض والعمالة ورأس المال، واليوم أصبح الاقتصاد الحديث يستند إلى ثلاثة عناصر، تشمل العلم والمعرفة والابتكار، والبنية التحتية للاتصالات وتقنية المعلومات، والأطر القانونية للنظام المؤسساتي.
منظمة الأمم المتحدة أكدت في تقريرها السنوي الأخير أن اقتصادات المعرفة تستأثر اليوم بنسبة 7 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي وتنمو بمعدل 10 في المائة سنويا، لتشكل المعرفة في الدول المتقدمة 50 في المائة من النمو الاقتصادي نتيجة إبداعها في إنتاج تقنية المعلومات واستخدام خدمات الاتصالات.
وطبقا لمعايير البنك الدولي، يحتوي مؤشر المعرفة على أربعة عناصر تتجسد في الحوافز الاقتصادية، والنظام المؤسساتي، والابتكار في التعليم والتدريب، والبنية التحتية لتقنية المعلومات وخدمات الاتصالات. من أصل 146 دولة في التصنيف الدولي للمعرفة، قفزت المملكة خلال العقد الماضي 26 مرتبة لتتربع المركز الـ 50 بين دول العالم قاطبة وتصبح أكثرها تقدما في الاستثمار المعرفي. كما تزامنت هذه المعايير مع تصنيف الأمم المتحدة لجاهزية الحكومة الإلكترونية بين دول المعمورة في العام الماضي، الذي حدد استخدام المعرفة كأداة لوصول المعلومات وتقديم الخدمات الحكومية إلى الجمهور، وجاءت السعودية أيضا في المراكز المتقدمة لهذه الجاهزية.
خلال العقد الماضي اكتسبت الشعوب الذكية موقعا مميزا في صدارة الاقتصاد المعرفي، واستطاعت أن تغزو العالم بتجارتها الإلكترونية لتصول وتجول عبر الحدود، فأصبحت الفجوة المعرفية العميقة بين الدول المتقدمة والعالم الثالث أكثر عمقا من المطبات المؤلمة التي تقع فيها الدول النامية نتيجة إخفاقها في تنويع مصادر دخلها وابتعادها عن تحقيق أهدافها.
وكان تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" الأخير قد أكد أن حجم مبيعات التجارة الإلكترونية في العالم ارتفع من أربعة تريليونات دولار عام 2003 إلى 26 تريليون دولار في نهاية عام 2019. وحصلت المملكة على مرتبة الصدارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لتستحوذ على 45 في المائة من إجمالي التعاملات الإلكترونية، وجاءت ضمن المراكز العشرة الأولى على مستوى العالم بانتشار هذا المفهوم وتطبيقه وتحقيق الفائدة منه. وفي نهاية عام 2019 بلغ حجم التجارة الإلكترونية في المملكة نحو 33 مليار ريال سعودي، بعد أن تم تسجيل افتتاح أكثر من 25 ألف متجر إلكتروني، توزعت بين الخدمات والمنتجات الرقمية والمادية، كالعقارات والتسويق الإلكتروني والحلول الإلكترونية والأثاث والديكور والملابس والحرف اليدوية.
وشملت أرقام وإحصائيات التجارة الإلكترونية في المملكة ارتفاع نسبة استخدام خدمات الإنترنت إلى 82 في المائة، وذلك مع وصول حجم المستخدمين إلى 29 مليون فرد، مع متوسط إنفاق يصل إلى أربعة آلاف ريال لكل واحد منهم. ولقد تحققت هذه الأرقام بعد الجهود التي بذلتها المملكة، التي تشمل إصدار نظام التعاملات الإلكترونية، وتفعيل خدمة "معروف" للمتاجر الإلكترونية.
وبدعم من الأجهزة الحكومية استطاعت المملكة أن تتخطى حاجز التفاوت الشديد بين الدول في الاقتصاد الرقمي، فقامت بمراجعة أولوياتها ورفعت مستويات التعليم بين أجيالها ودعمتها بأصول البحث والابتكار لتلحق بركب الاقتصاد المعرفي. في الآونة الأخيرة تنامت القوى الدافعة لمجتمع سعودي معرفي، في ظل قدراتنا التنافسية الإقليمية، من خلال التركيز على ثلاثة أهداف محددة، أولها كان موجها لبناء قدرات الإنسان والاستثمار في التعليم والمعرفة، وثانيها اعتمد على توطين تقنية المعلومات وتخفيض تكاليف الاتصالات، وثالثها تركز على نشر شبكات الحاسبات وانتشار الإنترنت وزيادة سعة شبكة الألياف الضوئية.
وللتماشي مع هذه الأهداف أنشأت المملكة 22 مركزا للتميز البحثي في الجامعات السعودية بميزانية فاقت 600 مليون ريال، وأطلقت برامج تقنية النانو في ثلاث جامعات رئيسة، وقامت بدعم البحث العلمي بنسبة 1.07 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما تم تأسيس عديد من الحدائق العلمية وحاضنات التقنية للمساهمة في توطين تقنية المعلومات ودعم مسيرة كراسي البحث العلمي، التي فاق عددها 244 كرسيا بحثيا، ما حقق نموا في نشر الأبحاث العلمية بنسبة 217 في المائة خلال العقد الماضي وتزامن مع تسجيل وإصدار أكثر من خمسة آلاف ورقة بحثية.
ونتيجة لهذه الخطوات حلت المملكة خلال عام 2020 في المرتبة الـ 66 عالميا على مؤشر الابتكار العالمي من بين 131 دولة، متقدمة مرتبتين عن ترتيبها في العام الماضي. وعزا المؤشر تحسن أداء المملكة إلى تقدمها خلال عامي 2019-2020 في عدة مؤشرات، منها تقدمها من المرتبة الـ 85 إلى المرتبة الـ 77 على مؤشر مخرجات الابتكار، ومن المرتبة الـ 86 إلى المرتبة الـ 69 على مؤشر المخرجات الإبداعية، ومن المرتبة الـ 47 في إلى المرتبة الـ 44 على مؤشر تطور الأسواق.
كما تصدرت المملكة العالم العربي على صعيد براءات الاختراع، وأصبحت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ضمن قائمة أفضل عشر جامعات في العالم في هذا المجال، إذ أصبح لديها أكثر من 800 براءة اختراع، أي ما يشكل أكثر من 60 في المائة من براءات الاختراع المسجلة في الجامعات العربية. وفي العام الجاري ارتفع عدد مراكز البحوث في شركة سابك إلى 22 مركزا، تضم في مجملها 2000 عالم وباحث، أودعوا أكثر من 12191 براءة اختراع، الأمر الذي جعل "سابك" الشركة الرائدة الأولى في مجال الابتكار في منطقة الشرق الأوسط.
ونتيجة لما حققته المملكة من تقدم في الأبحاث العلمية، قفزت المملكة عالميا للمرتبة الـ 26 على مؤشر نيتشار لعام 2020، والمرتبة الـ 36 في عدد الأوراق العلمية المنشورة على مقاييس جودة النشر العلمي.
لتحقيق مزيد من أهداف الاقتصاد المعرفي علينا إصدار نظام تحفيز الأداء الفكري والتبادل المعرفي، وتوطين قوانين حماية حقوق الملكية الفكرية، ودعم أصحاب المعارف والكفاءات والخبرات لتشجيعهم على نشر معارفهم والاستفادة من ابتكاراتهم.