نسعى خلف الجمال ونشد الرحال للتمتع بالفنون والمتاحف والمعارض الفنية والفنون المعمارية. نتأمل ذلك الجمال ونتعجب من إبداع الفنانين وقد نفتح عيوننا ونفغر أفواهنا دهشة من عمل فني أبدعته يد فنان عبقري، ولكن هناك أشخاصا يذهب بهم الجمال إلى أبعد من ذلك وتصيبهم حالة مرضية تدعى "متلازمة ستندال أو متلازمة الجمال!" فهل يمكن لجمال الفن أن يصيبك بالمرض؟.
في عام 1989، دونت طبيبة نفسية إيطالية، تعمل في مستشفى سانتا ماريا نوفا، ملاحظاتها على 106 زوار، وصل معظمهم مباشرة إلى المستشفى بعد زيارتهم المعارض الفنية والمتاحف في مدينة فلورنسا، يعاني جزء منهم أعراضا ذهانية، ويتقمص المريض أحد الأدوار أو الشخصيات الأخرى أو يعيش في عالم مواز داخل خياله. والجزء الآخر يعانون أعراضا عاطفية، وغالبا ما يظهر عليهم اضطراب في المشاعر، يدفعهم إلى الضحك والبكاء والانفراط في الانفعالات، أما الباقون فتتشابه الأعراض التي انتابتهم مع الأعراض المصاحبة للشعور بالقلق، مثل سرعة نبضات القلب وضيق التنفس والإرهاق الشديد.
ويعود تاريخ المرض وأصل تسميته إلى عام 1817 حين عانى الكاتب والناقد الفرنسي ماري هنري بيل - المعروف باسم ستندال - أعراضا مشابهة حين زار مدينة فلورنسا في إيطاليا ووصف حالته بأنه مريض بالفن من كمية الجمال التي شاهدها.
ويعتقد كثيرون أن هذا المرض مرتبط في مدينة فلورنسا بالذات، ويرجعون السبب إلى تركيز الفنون العظيمة في هذا الموقع التاريخي، حيث تمتلئ مساحة صغيرة على نحو فريد بالتماثيل والنوافير واللوحات الجدارية والقباب والأبواب المنحوتة. حتى مستشفى "سانت ماريا نوفا" الذي يعود إلى القرن الـ15، ويعالج السياح فيه من تلك الأعراض، كان مكان تشريح الجثث للرسام ليوناردو دي فينشي.
ويعزو البعض ما يحدث إلى أن الناس عندما يرون تلك الفنون التي حلموا بمشاهدتها طويلا وتخيلوا أبطالها يشعرون فعلا بوجودهم معهم في مكان واحد فتصيبهم أعراض الشوق من القلق والتوتر حد الهياج أحيانا والرغبة في تكسير وتخريب تلك التحف الفنية.
إن مرض الجمال هذا دليل على قوة فن عصر النهضة، فهذه القطع الفنية الرائعة وطريقة عرضها في فلورنسا منذ أن بدأ جيورجيو فاساري بناء معرض "أوفيزي" عام 1560، أوجدت فكرة "الفن". لقد اعتقدت عائلة ميديشي وتجار فلورنسا ومصارفها أن الفن يمكنه أن يجعل المرء سعيدا وحكيما ومتحضرا، إلى جانب اعتقادهم أن لوحة أو تمثالا يمكنها أن تشكل تعويذة أو سحرا أو وسيلة لزيادة الخصوبة أو درء الكارثة، وهذا التفكير مرتبط بثقافتهم قبل ذلك العصر الذي أخرجهم إلى النور.