قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أدرك الفكر الإنساني، وأدركت معه البشرية منذ زمن يعود- على الأقل- إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر، الاتصال الوثيق والعضوي بين المعرفة والتنمية؛ كل طفرة في الأولى تُحدث تطبيقات نتائجها ثورة في التنمية (في الصناعة والزراعة والطب والخدمات والتواصل...)؛ وكل تقدم في الثانية وتعظيم لمكتسباتها يزود الأولى بالموارد المادية الجديدة التي تساعد على إنتاج المزيد من ثورات المعرفة والعلم. وقفنا على جدلية هذه العلاقة في الآثار العميقة التي أطلقتها، مثلاً، الثورات العلمية في الميكانيكا والفيزياء (في القرنين ال 16 وال 17) على صعيد انطلاق مسلسل الثورة الصناعية الأولى، ثم التي أطلقتها الأجيال التالية من ثورات المعرفة- وآخرها الثورة البيولوجية والثورة الرقمية- على عملية التنمية إجمالاً في العالم كله. ثم وقفنا، في الوقت عينه، على الفوائد الجزيلة التي عادت على برامج البحث العلمي من وراء طفرات التنمية المتحققة.

الجدلية هذه- التي قادت نحو تبادل فعال للآثار بين المعرفة والتنمية- هي عينُها التي فرضت، عند عتبة متقدمة من فعاليتها، أن يتشكل ميدان بعينه من التنمية خاص بالمعرفة هو ميدان التنمية العلمية، أي الميدان الذي مدار اشتغاله على البحث العلمي وتطوير برامجه. كان البحث العلمي، منذ زمن، هو الأداة الرئيس لتوليد عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والوقود الذي به تشتغل آلتها (بالنظر إلى أن نتائجه وقوانينه وكشوفاته هي ما يوفر الأساسات للتصنيع والإنتاج والتقانة)، وهو ما برِح كذلك حتى اليوم، وقد لا يمكن لأحد أن يتخيل التنمية، يوماً، من غير علم يقوم من نظامها مقام الدينامية الدافعة، غير أن الجديد في مشهد العلاقة بين الحدين- في الخمسين عاماً الأخيرة- هو صيرورة البحث العلمي موضوعاً للتنمية بعد إذ كان شرطها الأولي.

التنمية العلمية اليوم- وهي، بالتعريف، صناعة خاصة بالبحث العلمي أو، قل، صناعة البحث العلمي- لم يعد من محيد عنها في تنمية شروط عملية التنمية الشاملة، وهذه الحاجة هي الحامل عليها، في المقام الأول، والدافع إلى إيلائها المكانة المناسبة في استراتيجيات التنمية. والمعادلة المأخوذ بها، هنا، واضحة (وتستأنف مضمون المعادلة التقليدية بين العلم والتنمية): مزيد من التنمية العلمية = مزيداً من التنمية الإجمالية.

وهذه معادلة تلحظ مركزية مشروعات البحث العلمي في أي مشروع للتقدم؛ إذ هو، اليوم، مادة استراتيجية في أي اقتصاد ومجتمع وتنمية، وهو- فوق ذلك- المادة الوحيدة الأبقى التي لا تنضب أو يستنفد مخزونها؛ بل بها يعاد إنتاج ذلك المخزون ويضاعف. ومثلما تمثل القدرة العسكرية المتطورة ويمثل القرار الوطني المستقل حاجتين استراتيجيتين للدفاع عن التنمية الوطنية وحماية مكتسباتها من التهديد أو من أي شكل من أشكال النيل منها، كذلك يمثل البحث العلمي والتنمية العلمية حاجة استراتيجية من أجل صناعة تلك التنمية الوطنية وتطوير القدرة التنافسية للقيم التي تنتجها برامج الإنتاج الصناعي والتقاني.

يسعنا أن نذهب، أكثر من ذلك، إلى القول إن الحاجتين المومأ إليهما لحماية التنمية (القدرة الدفاعية الاستراتيجية والقرار الوطني المستقل) هما ممّا يتوقف قيامهما واستتباب أمرهما على إحراز نجاح كبير في التنمية العلمية. هذه، وحدها، لا استيراد التكنولوجيا العسكرية والمعدات والأسلحة، ما يبني القوة الدفاعية الذاتية الكافية لدى الدول الكبرى، وما يبني صناعاتها المتطورة ويوفر حاجاتها الغذائية، والأهم من ذلك، يرفع عنها عبء اللجوء إلى الغير والرضوخ لشروطه وإملاءاته. بعبارة أخرى؛ إنها السبيل الوحيدة السالكة إلى تحقيق الحد الضروري من الكفاية الذاتية، وإلى تحقيق الاستقلال الفعلي للقرار الوطني. من دون إدراك هذه الوجوه المترابطة لمفعول التنمية العلمية في مجمل المعمار الاجتماعي- الاقتصادي والسياسي، لن يمكننا أن نكوّن إدراكاً حقيقياً شاملاً لأهمية البحث العلمي الحيوية والاستراتيجية.

ما من مبالغ، إذن، في القول إن ما من تنمية، على الحقيقة، تكون من دون بحث علمي وتنمية علمية. هذا، طبعاً، إن نحن أخذنا في هذا بمعايير العالم ومعايير التنمية فيه، وإلا فإن مشاريع التنمية التي مبناها على استيراد الوسائل والأدوات محض تطوير يعوزه الوقود الذاتي والدينامية الدافعة التي يصير بهما تنمية حقة. وهنا لا يجوز أن يقال إن التنمية العلمية فرع من التنمية، وبالتالي، تأتي تالية لها بعد أن يستتب الأمر لهذه. إنه ظن تكذبه الوقائع المعاصرة وتجارب التنمية في العالم، مثلما هو يذهل عن القاعدة الأساس التي مفادها أن كل تنمية تكون مشروطة، حكماً، بمواردها الذاتية التي تصنعها.