قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هناك مَن يُطالب بتحول حزب الله إلى حزب سياسي. مطلب هو على قدر كبير من الكسل المترف والإصرار على عدم التعرّف على ما جرى ويجري على الأرض. لا لأن حزب الله يهيمن على لبنان في الواقع فحسب بل لأنه أيضا ألحق لبنان سياسيا بإيران بعد أن ألحقه عسكريا ونخر اقتصاده بتمرير الصفقات الإيرانية من خلاله.

حزب الله هو حزب سياسي فعلا. ذلك ما يقرّه الواقع في مجلس النواب والحكومات على تتابعها وصولا إلى رئاسة الجمهورية. وليس أدل على ذلك من أن لبنان حين يشارك في مؤتمرات الجامعة العربية فإن وفده ينطق باسم حزب الله وبالتالي إيران. لقد صارت مشكلة الجامعة العربية تكمن في أن إيران تشارك في مؤتمراتها من غير أن ترفع علمها.

لم يعد الحديث اليوم ممكنا عن مسافة بين نشاط عسكري للحزب وآخر سياسي. كان ذلك ممكنا يوم كانت هناك مقاومة ويوم كان هناك أمل في أن المقاومة ستُخلي مواقعها وتعتزل وظيفتها العسكرية حين تنتفي الحاجة إليها. ولكن تبيّن في ما بعد أن المقاومة باقية، فهي الذريعة التي يتخذ منها حزب الله مسوغا لوجوده إلى أن صار الحكم يدين لحزب الله بالبقاء.

لبنان اليوم هو رهينة بأيدي العسكر، وما السياسيون سوى واجهة لهيمنة السلاح غير الشرعي الذي طالما طالب اللبنانيون بنزعه من غير أن يقف معهم أحد

فمَن يحكم اليوم في لبنان لا يمكنه الاستمرار في وظيفته ما لم يكن قد أعلن ولاءه لحزب الله. ولا فرق في ذلك بين الشيعي والسني والمسيحي. لقد حل الولاء لحزب الله محل الولاء للبنان. لذلك ذهب الكثير من السياسيين اللبنانيين إلى عزلاتهم أو صاروا يذودون عن أنفسهم بالصمت. أولا لأنهم غير قادرين على أن يضعوا السياسة والسلاح في ميزان واحد. ثانيا لأنهم صاروا لا يَأمنون على أنفسهم من القتل. ثالثا لأنه ليست هناك مرجعية سياسية تقع في مكان يؤهلها لمحاسبة حزب الله. في ذلك يتساوى المحلي والعالمي.

فإذا فُرضت عقوبات اقتصادية على حزب الله مثلا، فإن لبنان هو الذي سيدفع ثمن تلك العقوبات. وإن قرر طرف من الأطراف السياسية أن يدير ظهره لنظام الطوائف ويعتكف، فإن ذلك لن يلفت اهتمام أحد في العالم. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين زار لبنان بعد الانفجار العظيم اجتمع باللصوص ولم يبحث عن الصامتين خوفا.

لقد تحول حزب الله إلى حزب سياسي من أجل أن يحكم لبنان لا من أجل أن يحكمه لبنان. ففي حقيقة ما يفكر فيه حسن نصرالله فإن الحزب الذي انتقل بحروبه إلى دول أخرى وصار لا يكتفي بتهديد إسرائيل بل ضم إليها عددا من الدول العربية التي تبغضها إيران هو أكبر من لبنان وعليه تقع مسؤوليات كبيرة ضمن المشروع التوسعي الإيراني.

في فلسفة الحزب ليس هناك تعارض بين السياسة والعسكرة.

لقد تأخر اللبنانيون في اكتشاف الخطر الذي تنطوي عليه مقاومة نصرالله. وإذا ما كان الشيوعيون اللبنانيون قد شاركوا في تنفيذ عمليات للمقاومة داخل العمق الفلسطيني قبل عام 2000 لا أظنهم اليوم ينظرون بارتياح إلى ماضيهم، الذي مهّد للقتلة ولقطاع الطرق الاستيلاء على لبنان وارتداءه كما لو أنه كان بزّة عسكرية.

لقد عسكر حزب الله المجتمع الشيعي في لبنان مستغلا حاجة الطبقات الفقيرة وعن طريقها صار يحارب لبنان باعتباره عدوا مرفها إلى أن هزمه وأذلّه وصار يتاجر به. انتصر العسكر بسلاحهم غير الشرعي على الدولة فكانت لهم دولتهم التي ألحقت الدولة اللبنانية بها. لم يسمح الانضباط الحزبي بأي نوع من الفوضى. لذلك فإن الانتقال من الدولة اللبنانية إلى دولة حزب الله كان سلسا، بحيث كان ممكنا للعالم أن يغضّ الطرف عنه.

لم يعد الحديث اليوم ممكنا عن مسافة بين نشاط عسكري للحزب وآخر سياسي. كان ذلك ممكنا يوم كانت هناك مقاومة ويوم كان هناك أمل في أن المقاومة ستُخلي مواقعها

كان هناك صمت عالمي لم يجد اللبنانيون تفسيرا له.

لبنان اليوم هو رهينة بأيدي العسكر، وما السياسيون سوى واجهة لهيمنة السلاح غير الشرعي الذي طالما طالب اللبنانيون بنزعه من غير أن يقف معهم أحد. لم يصل نداؤهم حتى صار ما حذروا منه واقعا لم يعد أمام العالم سوى التعامل معه بطريقة جادة غير أنها لن تكون علاجا.

في إمكان حزب الله أن يدمّر لبنان لو شعر بالخطر.

لن يتخلى حزب الله عن سلاحه وهو في الوقت نفسه يحكم لبنان سياسيا. أشار نصرالله مطمئنا بعد انفجار الميناء إلى أن مَن يرغب في حل الأزمة عليه أن يذهب إلى حارة حريك. كان ذلك الكلام موجّها إلى الرئيس ماكرون. لم يذهب ماكرون إلى حيث أشار زعيم حزب الله ولكن لبنان ظل من غير حكومة وسيظل كذلك.