يتبقى أقل من شهر وتنطوي صحيفة هذا العام الذي لن تنساه البشرية. ربما عاشت البشرية قبلنا أياما وأعواما أكثر قسوة في أعوام الأوبئة التي كان البشر فيها أضعف بكثير، لكن لم تضطرب صورة النظام العالمي ويصبه الشلل مثل ما حصل في بعض شهور هذا العام. عام قاس نسأل الله أن يصبح ذكرى للنسيان. لكن في عالم الأعمال لن يتمكن المحاسبون والمديرون من النسيان، إلا بعد تسجيل ورصد هذا العام وأحداثه ومحاسبة الجميع على النتائج، فمبدأ الثبات لا يمكن تجاهله حتى لو كان العام استثنائيا، بل بالعكس، قد تزيد المحاسبة من إجراءاتها التحقيقية في هذه الظروف الاستثنائية.
لكن كيف تكون الأيام الأخيرة من هذا العام الاستثنائي لدى من يهتم بطي صحيفة أعماله ونتائج أعماله في 2020؟ تدشن الأسابيع الأخيرة في العام المالي موسم الختام، الذي تبدأ فيه الشركات بالاستعداد من 1 ديسمبر وعند أخرى قبل ذلك. الشركات الأصغر حجما تبدأ في العادة بعد نهاية العام وانقضائه، أي: في شهري يناير أو فبراير من العام الذي يليه. الآن، اتضحت الصورة، فالذي يستعد للخروج من السوق قد يكون في طور التصفية أو الاستعداد لها، والذي ما زال يتخبط تجده يوثق تخبطه في هذه الأيام، والذي تجاوز الأزمة ببعض الضرر قد تأكد له ذلك، والذي استفاد من الأزمة يعيش أزهى أيامه.
ورغم اليقظة الاستثنائية من المديرين ومراجعي الحسابات والمسؤولين عن الحوكمة بسبب تبعات الأزمة وآثارها الاستثنائية، إلا أن عام الكوفيد قد يتجسد لدى المديرين الماليين كالسجادة الكبيرة التي يمكن جمع الأوساخ تحتها دون أن يلاحظ أحد ذلك. فمن لديه قصور في الأداء أو إدارة مهترئة لم تنتج شيئا أو منتجا يعجز عن أن يثبت نفسه في السوق، سيسهل جدا إيجاد توصيف تبريري له مثل: "تدني الأداء لانخفاض القوة الشرائية بسبب كورونا" أو "تعثر إطلاق المنتج وانخفاض الإيرادات بسبب عجز الموردين عن توريد المواد الخام المطلوبة، بسبب تعطل شبكة النقل" أو "تراكم الأرصدة الدائنة لتدني التحصيل بسبب عجز العملاء عن السداد". ومعظم هذه الأسباب حقيقية وحصلت لكثير من الأعمال، إلا أن حفلة التبرير هذه ستخلط الصحيح بالمبالغة. وربما سيستسهل البعض الدجل والكذب في مثل هذه الظروف، سيتمكن مع الأسف كثير من المديرين الماليين والرؤساء التنفيذيين من إسقاط أسباب كورونا على ضعف الأداء بشكل غير صحيح، وهذا إن حصل فهو مخالفة صريحة لمعايير المحاسبة وأخلاقيات الأعمال، وقد يعد جريمة تستحق العقاب الصريح حسب قوانين الشركات.
ومن التحديات الأخرى التي تظهر في هذه الفترة كذلك هي موازنة العام الجديد، خصوصا عند من تأثر سلبا في هذا العام، فالنمو المعتاد في العمليات والنتائج قد يكون صعب التنبؤ، لأن كثيرا من المعطيات لا تزال ضبابية. مع أن بوادر الانفراج في الأزمة بعد أخبار اللقاحات باتت مؤكدة - بإذن الله -، إلا أن توقيت التحسن في النتائج وحركة الشراء ليس بالأمر السهل. وهنا أيضا يستغل بعض المديرين الأزمة ويبني نموه على قاعدة 2020 المنخفضة، فلو كان يستهدف مثلا نموا بقيمة 5 في المائة في الأداء، فاحتساب هذا النمو على عام 2020 يعني توقعات منخفضة لـ 2021، وإن تحسنت السوق من بداية العام ستكون فرصته كبيرة لتحقيق الأهداف بأدنى مجهود. لذلك أعتقد أن مجالس المديرين يجب ألا تعمل على تحسين جودة التخطيط المالي فقط، وإنما تجعل دورات التخطيط ومراقبة الأداء أقصر. على سبيل المثال، ما المانع من أن تكون الموازنات التقديرية خاضعة للتغيير الربع سنوي الذي يشمل تحديث المستهدفات على كل مستويات الإدارة. أعتقد أن لياقة مجالسة الإدارة في الرقابة والمتابعة لا تسمح لهم بذلك.
هناك من سيناقش اليوم - في نهاية العام المالي - ولأول مرة بشكل جدي، الآثار الفعلية لهذه الظروف الاستثنائية على تقييم أصوله. ولأن التقييم يبنى في العادة على التصورات المستقبلية التي تتعاظم فيها حالة عدم اليقين، كان كثير من محاولات التقييم السابقة القريبة من فترات العزل غير مكتملة ولا تعكس الواقع بشكل دقيق لغياب المعلومات الكافية التي تمكن المقيمين من تقييم الأصول بشكل عادل. تتصاعد أهمية هذا الموضوع للأصول المدرة للدخل مثل بعض أنواع العقارات. ولا أعلم في الحقيقة إذا كان المقيمون سيصدرون التقييمات بشكل يعكس أثر الأزمة ويحصر تأثيرها في تقييم الأصول بشكل واضح ونهائي، أم سيرفعون نتائجهم مرة أخرى ويشيرون إلى استمرار أو ضبابية التأثر من الأزمة.

مواضيع قد تهمك :