قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يمكن أن ينسى الذاهب إلى إنجلترا ما تركه هذا البلد من أثر على العالم، ونحن العرب في القلب منه، ليس بحكم الجغرافيا فقط، بل أيضاً لأننا الأشد تأثراً بإرث استعماري لم يغادرنا إلى الآن، فمشكلات الحدود والوجود والمياه والعنف والإرهاب إن غصنا فيها بعيداً سنجد الإنجليز واقفين عند جذورها، وهم أنفسهم يعترفون بهذا في كثير مما يكتبه صحفيوهم وباحثوهم، وكل من يطلع على أي من وثائق الخارجية وجهاز الاستخبارات البريطاني يتم الإفراج عنها.
كان الإنجليز بارعين في تطبيق سياسة «فرق تسد» وبها أقاموا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وحكموا وهم ملايين قليلة، أمما أكبر منهم عدداً، ولا مقارنة بين مساحة أراضيها الشاسعة الواسعة وحجم مساحة المملكة المتحدة بكل أقاليمها الذي لا يزيد على ربع مليون كيلو متر مربع تأكلها المياه المالحة من كل اتجاه.
أطلت إنجلترا علينا في كتاب التاريخ للصف السادس الابتدائي، بدءاً من حملة فريرز التي حاولت احتلال الإسكندرية عام 1807 فقاومها المصريون وردوها على أعقابها خاسرة وحتى جلاء آخر جندي إنجليزي عن مصر عام 1954 بعد سبعين عاماً من الاحتلال واثنتان من البقاء على أرض مصر لترقب الوضع في بلاد الخليج العربية. لم نر في إنجلترا غير هذا الجانب، وبدت لنا المشروعات التي أقامها الإنجليز مجرد وسائل لتعظيم المكاسب الاقتصادية التي كانوا يحصلون عليها من ثروات بلادنا. وعلمتنا كتب التاريخ اللاحقة أن هذا الوجه الاستعماري يمتد إلى ما هو أبعد من هذا حين شارك ملوك الإنجليز في حملات الفرنجة على الشرق، وخصوصاً بيت المقدس.
وتوالى وجود إنجلترا في كتب التاريخ حتى نهاية المرحلة الثانوية، لكنها لم تتناول واحداً من أخطر ما فعله الإنجليز ببلادنا وهو صناعة بعض التنظيمات الدينية المتطرفة، اتكاء على أفكار منغلقة جامدة متحجرة تستقر في بطون كتب قديمة ظل كثيرون يتداولونها ويرددونها لكنهم لم يقيموا لها تنظيما يحملها، ويدافع عنها، ويموت بعض أفراده في سبيلها، اعتقاداً منهم أنها الحق المبين، والصواب المطلق.
كانت هذه الجماعات والتنظيمات جزءاً أصيلاً من صناعة الفُرقة، فهي إما نازعت حركات ليبرالية ويسارية نهضت لتقاوم الاستعمار سلمياً، وإما تم توظيفها بعد رحيل المستعمر لمناهضة النزعة القومية، وتعويق التطور الديمقراطي. ورغم أن الإنجليز أنفسهم عانوا مما صنعوه قبل رحيلهم، حين ناصبتهم العداء في بعض الأحيان، وإن كانت قد هادنتهم في أخرى، ونسقت معهم مرحليا لتحقيق مصالحها على حساب القوى الوطنية المختلفة معها في الفكر والتوجه السياسي.
غادر الإنجليز أراضينا، لكن همزة الوصل بينهم وبين المتطرفين لم تنقطع، فاليوم وأنت ذاهب إلى لندن، لابد أن تتراءى أمامك وجوه بعض المنتمين إلى «السلفية الجهادية» على اختلاف تنظيماتها وبعض «القطبيين»، وعليك إنْ كنت من مناهضيهم أن تتحسب لمواجهة هناك في بلاد غريبة حول الحال والمآل في أرض العرب وأيامهم.
ترك هؤلاء بلادهم الأصلية أو هربوا أو طردوا، فاستقروا في إنجلترا لينعموا فيها بمظلة عريضة من قوانين تنتصر لحقوق الإنسان وحريته، وبعضهم يتلقى إعانات حكومية بانتظام، وهناك من حصلوا على الجنسية وحق اللجوء، لكن من بينهم الذي لا يزال ينعت مستضيفينه بالكفار، ويستبيح أموالهم وأعراضهم، ويحرض عليهم جهاراً نهاراً.
مع هذا تتحملهم بريطانيا، ولا أعتقد أن هذا التحمل مبعثه حقوقي أو إنساني فحسب، إنما لإدراك البريطانيين أن هؤلاء لا تزال لهم وظيفة في خدمة إمبراطورية غابت عنها الشمس، لكنها لا تزال تؤمن بأن شبكة علاقاتها القديمة هي أهم أوراق سياستها في النظام الدولي الحالي، لاسيما بالنسبة لمن تقوده وهي الولايات المتحدة الأميركية، التي ورثت عن الإنجليز طريقة الانتفاع من المتطرفين.