مع احتفال العالم اليوم باليوم العالمي للمرأة، وبعد واحد وعشرين عاماً من اعتماد أول قرار للأمم المتحدة بشأن المرأة والسلام والأمن بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 1325، بات من الواجب علينا تقييم كل ما يجب القيام به لتعزيز إشراك المرأة في عمليات السلام. وكان ذلك بالتأكيد إحدى المهمات الرئيسية بالنسبة لي خلال فترة عملي في ليبيا سواء مع الحكومة الأميركية أو الأمم المتحدة. فليبيا بلد يتحمّل فيه النساء في كثير من الأحيان العبء المباشر للنزاع المسلّح، لكنهن يكافحن من أجل الحصول على مقاعد على طاولة المفاوضات.

أصبحت قيمة إشراك النساء في جهود منع نشوب النزاعات وحلها، ناهيك من إحلال السلام، شرطاً لا غنى عنه في الوساطة الدولية. غير أن ترجمتها على أرض الواقع في البلدان التي تعاني من النزاعات - حيث تم تهميش أصوات النساء فيها لصالح أولئك الذين يحملون السلاح - تتطلب دعوة مستمرة. ومن الأمثلة على ذلك، بناء «ملتقى الحوار السياسي الليبي». ففي هيكله الأولي، كان من المقرر توفير المقاعد بالتساوي للهيئتين التشريعيتين في ليبيا - مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة - على أساس الدوائر الانتخابية الثلاث عشرة في البلاد. أجرت الهيئتان انتخابات بين أعضائهما لتخصيص مقاعد لـ«ملتقى الحوار السياسي الليبي» أسفرت عن اختيار امرأة واحدة مع خمسة وعشرين رجلاً. الغريب أنه جرى الطعن في اختيار المرأة الواحدة من قبل الرجال في منطقتها، وكانت الأمم المتحدة هي الوحيدة التي دافعت عن حقوقها. في تلك المرحلة، اتخذنا قراراً ببناء كتلة نسائية مخصصة لهن.

تطورت النساء السبع عشرة في الجبهة الديمقراطية الليبية (النساء الـ17 من بين 75 مندوباً في ملتقى الحوار)، معاً وفردياً، لتصبح الكتلة الوحيدة الأكثر إثارة للإعجاب في الحوار السياسي، ودافعن بقوة عن التمثيل العادل ومشاركة المرأة في مناصب صنع القرار العليا في الحكومة. وبالفعل نجحن في تقديم التماس لإدراج لغة في خريطة طريق «ملتقى الحوار السياسي الليبي» تضمن أن ما لا يقل عن ثلاثين في المائة من التعيينات العليا في أي حكومة مؤقتة ستذهب إلى النساء. وهذا يعني، على الأقل، تعيين النساء وزيرات أو نائبات وزير، مع توقع بالطبع أن يعيّن رئيس الوزراء المكلف نائبة لرئيس الوزراء وأن تتولى المرأة قيادة الوزارات السيادية، مثل الشؤون الخارجية والداخلية والمالية والدفاع.

لقد قطعن خطوة أبعد في السعي إلى إلزام المرشحين - ومنهم اثنان من النساء - للمناصب التنفيذية المؤقتة بقاعدة 30 في المائة من خلال مطالبتهم بتوقيع التعهدات التي عُرضت على الجمهور وأعضاء «ملتقى الحوار السياسي الليبي» خلال عروض المرشحين لبرامجهم التي جرى بثها على الهواء مباشرة على التلفزيون الليبي. وعندما بدا أن الرجل الذي تم اختياره رئيس وزراء مؤقتا تراجع عن هذا الالتزام، طالبت الكتلة النسائية في «ملتقى الحوار السياسي الليبي» بعقد اجتماع افتراضي عبر الإنترنت لاستدعائه، وبعد ذلك «أوضح» موقفه وبدا أن الضغط قد أتى ثماره. كما ضغطت الكتلة النسائية التابعة لـ«ملتقى الحوار السياسي الليبي» ببلاغ من أجل تقديم دعم حقيقي لـ«وحدة تمكين المرأة» الملحقة بمكتب رئيس الوزراء. وقد عانت هذه الوحدة من إهمال جسيم ونقص في التمويل وحتى في توفير مساحات مكتبية دائمة. كما تميزت نساء «الجبهة الديمقراطية الليبية» بالعمل كبناة للجسور ومدافعات عن حقوق الإنسان وناشطات في المجتمع المدني. لقد رفعن أصواتهن نيابة عن مئات الآلاف من الليبيين الذين ما زالوا نازحين من ديارهم نتيجة الصراع الطاحن.

يعكس تضامن الكتلة النسائية في «ملتقى الحوار السياسي الليبي» بوضوح الفارق الذي يمكن أن تحدثه المرأة في ضمان استدامة عمليات السلام. فهن والشباب أفضل ترياق للطبقة السياسية «الديناصورية» وأولئك الذين ينظرون إلى الخدمة العامة على أنها عمل تجاري كوسيلة أخرى لتأمين «الغنيمة» الخاصة. ومع الانتخابات الوطنية المقرر إجراؤها في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 والتي تتزامن مع الذكرى السبعين لاستقلال ليبيا، ينبغي تشجيع النساء والشباب ودعمهم لتقديم أنفسهم كمرشحين.

الخدمة المقدمة إلى ليبيا من قبل النساء في «ملتقى الحوار السياسي الليبي» أكثر من رائعة بالنظر إلى أن عدداً منهن تعرض لحملات اتسمت بالكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الواقع القاتم الذي عانت منه النساء كضحايا للعنف السياسي في ليبيا. للأسف، خلال اجتماع «ملتقى الحوار السياسي الليبي» في تونس العاصمة في نوفمبر (تشرين الثاني)، قُتلت حنان البرعصي، المحامية البارزة في بنغازي، بالرصاص في الشارع في وضح النهار. ولا يزال مصير النائبة البرلمانية سهام سرقيوة مجهولاً بعد أن اختطفت بوحشية من منزلها في بنغازي على يد جماعة مسلحة موالية للجيش الوطني الليبي في يوليو (تموز) 2019.

رغم التقدم الذي أحرزته الكتلة النسائية في «ملتقى الحوار السياسي الليبي»، لا يزال هناك كثير من العمل الذي يتعين القيام به لضمان الإدماج الكامل للمرأة في جوانب أخرى من بناء السلام وتعزيزه. يجب سماع أصوات النساء في المناقشات المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي والمالي وإعادة هيكلة الاقتصاد الليبي التي طال انتظارها. فالنساء يشكلن نصف السكان على الأقل ولكن بالكاد ينعكس ذلك في قوة العمل، بما في ذلك القطاع الخاص المتعثر. ومع الجهود المبذولة لتعزيز وقف إطلاق النار في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، يجب أن تجتمع النساء والمجتمع المدني ونشطاء حقوق الإنسان حول طاولة المناقشات لإصلاح قطاع الأمن ونزع سلاح الجماعات المسلحة وتسريحها وإعادة دمجها.

لا خلاف على أن النساء هن وكلاء التغيير. فالنساء يصنعن التاريخ في جميع أنحاء العالم من خلال مشاركتهن المتزايدة في السياسة واتخاذ القرارات العليا، بما في ذلك في بلدي الولايات المتحدة، التي شهدت للتو انتخاب كامالا هاريس كأول امرأة أميركية نائبة للرئيس. ولذلك يجب ألا تكون ليبيا استثناء.