قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تطغى الجوانب العاطفية والعفوية في العالم العربي وتحديداً بين بعض الكتاب والمهتمين والمراقبين للشأن الفلسطيني من جهة والنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي التاريخي والعربي منه أيضاً.

يلاحظ منذ بدء التطورات المأساوية والدموية الأخيرة في قطاع غزة والقدس والأراضي الأخرى، انجراف الكثير للهيجان والانفعال والتشنج وعلى مستويات شتى وبين فئات عمرية مختلفة، وهي ظاهرة عربية متأصلة في العقل والسلوك العربي على مر التاريخ والعصور.

خضع البعض أو الكثير، فليس ثمة فرق بالعدد، بالمقارنة مع طبيعة الأفعال العصبية الشديدة مع الأحداث الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خضع هؤلاء طوعياً إلى العودة إلى عصور تاريخية تتعلق بالقضية، حين جرى التركيز على بذور الصراع العربي-الإسرائيلي، وهو برأيي دليل على وجود أسرى للتاريخ وليس الواقع والمستقبل.

احتقنت حناجر وأقلام جماهير عربية بالكتابة المتشددة والهتاف العاصف والتظاهر بالتركيز على مفردات، كان لها حيزٌ محوريٌ تاريخي، وقد طواه الزمن فلسطينياً قبل أن يكون عربياً ودولياً ايضا في المحافل الدولية.

فحين غابت مفردات «الكيان والاحتلال الصهيوني»، قامت قيامة حظيرة الجماهير المتشنجة بسبب غياب كلمة «الصهيونية» عن البيانات الرسمية وغيرها، من دون ادراك أن التمسك بهذه التوصيف لن يقود لا اليوم ولا بالمستقبل المنظور إلى عودة فلسطين كاملة للعرب ونهاية اسرائيل كدولة، حُسم وجودها التاريخ السياسي والقانون الدولي وأصبحت عضواً فاعلاً في المنظمات الدولية ولها الحق كما للغير من الدول ذات السيادة المستقلة.

لست بصدد إشعال نيران الاشتباك القانوني والتاريخي، لأنني مناهض أساساً لمبدأ أن أكون أسيراً للتاريخ، وأقدر، بل أحترم كل الآراء الأخرى سواء التي تتفق أو تختلف معي، فالغاية تنحصر بالانتصار لعقلانية النقاش والتعاطي ببراغماتية سياسية وإعلامية مع هذا الشأن الفلسطيني المعقد نتيجة تشرذم فلسطيني أولا وعربي ثانيا حتى اليوم.

برأيي أن جرعات المزايدات الإعلامية والسياسية، لن تكون سوى وقودٍ مؤقتٍ لمزيد من التشنج والهيجان بالطرح والمعالجة غير الحصيفة والمتأنية فكرياً وسياسياً، لذا أتمنى أن يحظى هذا الأمر بالمراجعة الدقيقة لمصلحة الخروج من دائرة تاريخية مغلقة قابلة للجدل بلا نهاية، وصولاً إلى دائرة جامعة ومنفتحة لتتلاقى كل الجهود والمساعي نحو حل واقعي وعملي يضع حداً لهذا الصراع التاريخي.

في خضم ما نشهد من صدام دموي بشري ونزيف لدماء فلسطينية بريئة، لابد من التوقف عند بروز جديد لأجنحة الاسلام السياسي لتنظيمات وفصائل فلسطينية كحماس والجهاد وغيرها من المنضوين تحت تيار الاخوان العالمي، وربما هي مجرد مقدمات لأفول التنظيمات المدنية الأخرى، لذا أرى اننا أمام تطور قد يحمل من المفاجآت السياسية المعقدة أكثر من الماضي القريب منه والبعيد.

تاريخياً، التفت تنظيم الاخوان الاسلامي العالمي ومنه الكويتي، بالتركيز بانتقائية شديدة بتقديم اهتمام استثنائي ولوجستي بالانتصار لأفغانستان خلال فترة ما يسمى بالغزو السوفيتي، لأنها «دولة مسلمة»، بينما جرى حينذاك تأجيل نفس القدر من الاهتمام انذاك للقضية الفلسطينية، وهي قضية عربية وإسلامية أساساً.

جُل ما أخشاه هو سيطرة حركات الاسلام السياسي على المشهد الفلسطيني السياسي، وتوهان الصوت المدني العربي والفلسطيني على حد السواء، وهو ما قد ينذر بتغيير جغرافي وسياسي خطير للغاية.

لزاماً، حتى بهذه الظروف الحساسة للغاية، عدم نسيان أو تناسي أو التغاضي عن التحالف الإيراني مع أحزاب عربية وتنظيمات فلسطينية ذات توجهات وأهداف طائفية موالية لطهران، وهو ما يعني مضاعفة توغل ايران في المنطقة العربية وليس في اسرائيل وحدها!

ولنا خير مثال في ما يشهده العراق وكذا الحال في لبنان وسوريا، فهذه الدول تعاني من نزيف دموي وشراسة من التخريب والتناحر الطائفي بسبب تغول وتوغل ايراني في مفاصل هذه الدول.

انني اكتب هذه السطور ليس بهدف تجاوز أو التقليل من حجم وهول معاناة الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وضحايا البطش والغطرسة العسكرية الاسرائيلية، فالقوى المحبة للسلام بما في ذلك المؤيدة لإسرائيل، انصفت حقوق الشعب الفلسطيني وحقه بقيام دولته المستقلة في القدس الشرقية وفقا للقرارات الشرعية الدولية، وهنا اضم صوتي المتواضع مؤيداً لهذا الحق المشروع.

لا ينبغي أن يقع العقل والضمير العربي أسيراً لضحايا الانفعال والهيجان والاحتقان المسيس والعسكري المنشأ، فالحلول تكمن في التركيز على المفاوضات والحوار والحلول السياسية الناجعة وليس العسكرية، حين تسود الوحدة الفلسطينية قبل غيرها على الهدف والنهج نحو إنقاذ اجيال من الشعب الفلسطيني والعربي أيضا.

فخلط أوراق الديانة اليهودية مع الحركة الصهيونية بهذا الوقت بالذات، لن يقود سوى إلى صراع فكري سرمدي، قد يغذي سموم سياسية ليست بمصلحة أجيال اليوم والمستقبل من الشعب الفلسطيني والعربي ككل.

أمام هذه التحديات الخطرة، وفي ظل غياب دور عربي رسمي وقيادة حكيمة فلسطينية، لابد من التيقظ من ثمن الانحراف الفكري والسياسي وعدم الانقياد وراء سراب أهداف غير واقعية، قد تصب في مصلحة مشاريع ومخططات غير معلنة رسمياً، ولكنها حولنا وبيننا.

***

تنويه: ورد خطأ مطبعي مني سهوا في مقالي السابق «الأعراف أم الدستور؟!» فالصحيح هو «أن القواعد الدستورية تجب الأعراف البرلمانية المزعومة بخصوص مقاعد الحكومة في الصف الأول» وليس كما ورد بأنها «لا تجب».