كان لافتاً للنظر تفسير الرئيس الروسي بوتين للعبارة التي وصفها به رئيس أمريكا، بايدن، بأنه قاتل. بوتين قال إن مثل هذه العبارات هي جزء من الثقافة السياسية الأمريكية، ما يعتبر شيئاً طبيعياً في لغتهم.

إن تفسير بوتين اقترب من الحقيقة، لأن اللغة الدارجة والشعبية – بين الأمريكيين، مماوءة بمفردات لا توجد حتى بين الناطقين بالإنجليزية في بلاد أخرى، وأحياناً لا تحمل المعنى الحرفي نفسه للكلمة ، والواضح أن تفسير بوتين كان لمحة ذكية، مقصود بها التخفيف من أي توتر في لقاء قمة جنيف مع بايدن .

إن هذا اللقاء عُقد بين زعيمين شقّ كل منهما طريقه في ممارسة العمل السياسي بما أكسبه خبرات واسعة ومتراكمة، وصار لكل منهما هدفه في السياسات العالمية. فالرئيس بايدن يريد أن تتبوأ أمريكا قيادة العالم، بينما بوتين يسعى لاستنهاض الروح القومية لبلده، لتعود روسيا قوة عظمى دولية مؤثرة. ثم تأتي القمة في ظروف وصلت فيها العلاقات بينهما إلى أدنى مستوياتها، حسب وصف بوتين لها.

وكلاهما في أجواء هذه القمة كان في مرحلة استطلاع للآخر. فالرئيس الأمريكي من ناحيته، لم يصدر حتى الآن استراتيجيته للأمن القومي، متضمنة بالضرورة وكالمعتاد طبيعة العلاقة التنافسية مع روسيا، إضافة إلى رؤية أمريكا للقضايا الدولية التي تعتبرها مهمة بالنسبة إليها، أو مؤثرة في أمنها القومي. لكن بايدن في تلك المرحلة من حكمه، ولم يمض عليه في البيت الأبيض سوى خمسة أشهر، يضع في حساباته التحديات التي تمثلها روسيا، كقوة منافسة أو مناوئة.

وبوتين من ناحيته، يرفض مفهوم قيادة أمريكا للعالم، فإن قدراتها لأداء هذا الدور قد تراجعت كثيراً عما كانت عليه وقت زعامتها للتحالف الغربي، أو كما كان يسمى العالم الحر، في سنوات الحرب الباردة. ويرى أن العالم قد تغير بصعود قوى أخرى مؤثرة، يسعى بوتين من ناحيته إلى مد جسور التعاون معها، ضمن سياسته الخارجية النشطة في أرجاء العالم، واستطاع بسياسته تلك أن ينقذ روسيا من الانهيار الاقتصادي والسياسي، الذي أصابها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991. وبدأ مسيرته لاستعادة هيبة الدولة عالمياً، وتقويتها اقتصاديا، وتطوير الصناعات العسكرية التي تقدمت ووجدت لها أسواقاً متسعة في الخارج.

وبالرغم من التوتر الشديد الذي يشوب علاقتهما، إلا أن كلا منهما يدرك احتياجه للآخر، ليس في مجال العلاقات الثنائية فقط، بل أيضاً لضرورات التعاون المتبادل في المسائل ذات المصلحة المشتركة، مثل الحد من التسلح، وتغير المناخ، والتصدي للإرهاب وغيرها. وأيضاً إدراكهما لأهمية التوافق على قواعد تلزمهما بعدم السماح لأية أزمة إقليمية بأن تجرهما إلى صدام قد يكون مسلحاً، وهذا النهج كان متبعاً في فترة الصراع الأمريكي - السوفييتي في سنوات الحرب الباردة، عندما كان كلاهما يراعي، في ظروف التوتر الشديد بينهما، التراجع خطوات مبتعداً عن حافة الهاوية، تاركاً للحوار العقلاني أن يلعب دوره.

ورغم ذلك، كانت هناك استمرارية للتنافس الاستراتيجي بينهما، لكنه لم يؤثر في حرص الدولتين على عقد لقاءات قمة، مثل قمة كنيدي وخروتشوف في النمسا عام 1961، وقمة جورباتشوف وبوش الأب في واشنطن عام 1990.

والآن تدخل لمسات مقصودة للتهدئة رغم جو التوتر الذي سبق مباشرة قمة بايدن وبوتين. حيث أعلن أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي، قبل يومين من انعقاد القمة، التزام واشنطن بإجراء حوار بنّاء مع الحكومة الروسية من أجل إيجاد علاقات ثنائية مستقرة.

ويبقى أن المصلحة المشتركة في التعاون حول القضايا محل الاهتمام المتبادل، ليست وحدها الدافع الوحيد لمد جسور التفاهم بينهما. لأن هناك دوافع أخرى لا تقل عنها أهمية، ذلك أن توسيع شقة الخلاف مع روسيا ليس مطلوباً في وقت يشتد فيه التوتر بين أمريكا والصين، بمعنى فتح جبهتي توتر مع روسيا والصين في الوقت نفسه، وحيث يدرك بايدن أن صعود الصين المتسارع، اقتصادياً وعسكرياً، يتيح لها فرص تعديل التوازن العالمي لمصلحتها، وهو أمر معاكس لرغبة أمريكا في أن تقود العالم، حسب الشعار الذي يرفعه بايدن الآن.