قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في العقود الأخيرة تبلورت سياسة في تركيا يمكن وصفها بامتياز بأنها سياسة أردوغانية، لها مواصفات محددة، وأكثرها وضوحاً عدم القدرة على توقع خطواتها القادمة. في الضمير العربي، ولا أدعي أنه السائد، أن الترك لهم سجايا، منها صفة (العند) stubborn أو (التعنت)، وربما جاء ذلك الانطباع من العلاقات الطويلة بين العرب والأتراك (التركي رأسه يابسة).

هذا العند ربما أيضاً وصل إلينا من (الشخصية) التركية التي شخصت في الأفلام المصرية، وهي دائماً عنيدة لها رأي واحد لا تغيره إلا بشق الأنفس، كما كانت ماري منيب تشخصه في أفلامها ومسرحياتها. أقول ربما علينا أن نفهم الشخصية التركية حتى نفهم (الأردوغانية) السياسية.

في الساحة العالمية اليوم قضية انضمام كل من فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي، مع ترحيب كبير من كبار أعضاء الحلف. تركيا ترفض قبول القادمين الجديدين بحجة أن هناك معارضين لها من الحزب الكردي التركي في تلك البلاد، تقول المصادر إن مجموع المعارضين هناك لا يتعدى الثلاثين شخصاً.

يقول المنطق التركي: كيف يمكن أن ننتظم في حلف دفاعي وبعض دوله تستضيف معادين لنا؟ يبدو أن هذا المنطق في شكله الخارجي صحيح! إلا إذا قارناه بما فعلته تركيا مع جيرانها، وبخاصة مصر ودول عربية أخرى، عندما فتحت أبوابها لاستقبال المعارضين، وهيّأت لهم التمويل ومحطات التلفزة التي تذيع ليل نهار أخياراً سلبية عن تلك البلاد! من دون فائدة مقنعة للمصالح التركية! ما سبّب ازدواجية في الخطاب.

إذا نظرنا إلى الموضوع نظرةً أعمق، فإن المجموعة الصغيرة التركية \ الكردية في كل من فنلندا والسويد لا تؤثر كثيراً في مجريات الأمور في الداخل التركي، لكن المناورة الخفية هي باتجاه إرضاء أولي لروسيا الاتحادية المنزعجة كلياً من الخطوة، فهي، أي تركيا، ترسل رسالة مبطنة إلى روسيا التي تربطها مصالح كثيرة معها، مفادها أنها حاولت جهدها لإيقاف دخول كل من البلدين إلى الحلف، ولذلك إذا فشلت فإنها لا تُلام، وتبقى الأمور كما هي بين تركيا وروسيا! هذا التفكير فيه خداع للنفس، لأن الروس ليسوا أغبياء إلى هذا الحد، كما أن تركيا وقد رأت بأم عينها كيف استقبل الرئيس جو بايدن رئيسي الحكومتين الفنلندية والسويدية بحفاوة، واعتبرهما أعضاء فاعلين في الحلف، كما تعرف تركيا الأهمية الاستراتيجية التي تدفع الغرب لإدخال الدولتين الكاملتي العضوية في المنظومة، فهي في وقت ما ليس ببعيد سوف توافق، وإلا فسوف تغامر بأن تتخذ حيالها مواقف قد تكون مضرّة في المدى البعيد.

إذاً، توقع الانعطافة التركية قائم الاحتمال بنسبة كبيرة، وهي الانعطافة التي قامت بها تركيا في الأشهر الأخيرة نحو العديد من الدول في الشرق الأوسط، بعدما أقامت الدنيا عليها لسبب أو لآخر.

كيف يمكن أن نفسر تلك الانعطافات الحادة؟ هي أولاً ليست صحية في مسار السياسة الخارجية التركية، لأنه حتى الأصدقاء الجدد لا يعرفون على وجه اليقين متى تحدث الانعطافة التالية، كما أنها من جانب آخر لم تعد تركيا آمنه (للمغامرين) الذين خرجوا من أوطانهم إلى أنقرة من أجل الذهاب، كما وصف أحدهم (إلى بلد يحكمها رجل لا يُظلم عنده أحد)! فقد بدا التضييق عليهم كلما تقدمت المباحثات الإيجابية مع أوطانهم.

بسبب العند أو التعنت التركي نجد، مع الأسف، عدداً كبيراً من النخب التركية التي تظهر في مساق المناقشات على التلفزيونات العربية أو الناطقة بها، تسير وراء تلك التفسيرات وبحماسة شديدة، ما يرسل للمشاهد والمتابع أن هناك أزمة في حرية التعبير في تركيا، أي أن هامش المعارضة قليل ويضيق، وهذه أخبار غير جيدة، تمهد لخلل في الانتخابات العامة التركية، وربما تخرجها من سياق الديموقراطيات.

لا جدال في أن تسعى كل دولة إلى تحقيق أفضل ما تراه من مصالح لشعبها، والسعي مشروط أيضاً بسياج من أخلاقيات السياسة حيث تنبع الثقة، إن كان المفهوم الأخير له معنى! ولكن الانتقال من البارد إلى الحار، ومن الأبيض إلى الأسود أو الفعل المتذاكي المفضوح، يستهلك من رأس المال السياسي للدولة كما يضر الاقتصاد.

لا أفضل من أن تكون تركيا جارة (مصفرة المشاكل) مع جيرانها، وهي في الفترة الأخيرة لعبت لعبة سلبية في الجوار من خلال مناصرة مشروع سياسي تريد فرضه على الآخرين، وتستخدم قوى سياسية، وفي بعض الأوقات وسائل القوة (كما في ليبيا) لفرضه، وهو أمر يجعل من تركيا بلاداً، وإن تقربت مشكوك في نياتها.

لا يمكن التفكير بأن تلك المناورات هي من أجل استرضاء الجبهة الداخلية التركية، فالأخيرة لها أولوياتها، إلا أن التفسير الأكثر قرباً إلى المنطق أن تلك المواقف السياسية أولاً هي جزء من طبيعة العند من جهة، ونقص في آليات المشاركة في القرار لدى النخبة الصغيرة الحاكمة من جهة أخرى، فالكثير من القريبين في مراكز اتخاذ القرار في قمة السلطة التركية هجروا السفينة، وترك الأمر لأشخاص محدودين والذين قد تصيب قراراتهم مرة، ولكنها في الغالب تخطئ مرات وتتحول تدريجياً إلى الشمولية المشمولة بشعبوية مضرة.