قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تصحيح الصُورة الذهنية السلبية هدف تسعى له المُجتمعات الطبيعية التي شوهت صورتها نتيجة لأحادية نظرتها للآخر، أو لانعزال وانغلاق مجتمعها عن محيطها الإنساني، أو لتصرفات وسلوكيات أبنائها السلبية، أو نتيجة لاستهدافها المباشر بالتشويه عبر منافسيها وأعدائها القريبين والبعيدين. وبما أن هذه النتيجة السلبية عن صورة وشكل وسمعة المجتمع تحققت عبر وقت طويل، حيث كانت تراكمية الأعمال السلبية رسالة مُحبطة للآخر، والانعزال عن المحيط القريب والبعيد أتاح مجالاً للمُنافسين والمُعادين لملئه بما يخدمهم على حساب صورة المُجتمع المستهدف بالتشويه؛ فإن تغييرها وتحسينها وتصحيحها في عين الآخر تتطلب بذل الجهود العظيمة، وتحتاج إلى الأوقات الطويلة والعقود المُتعاقبة، وتتطلب وضع استراتيجية تحدد الرؤية المُبتغاة، والأهداف السَّامية المُراد تحقيقها. نعم، قد تبدو هذه العملية -للوهلة الأولى- عملية سهلة وبسيطة ونتائجها مضمونة، إلا أنها في الحقيقة عملية مُعقدة جداً لأنها تستهدف تغيير الصورة الذهنية السلبية التي تراكمت في عقول أجيال مُتعاقبة، وتتطلب تَعريفا دقيقا للفئات المستهدفة ذات الفعالية الحقيقية في المجتمع، والأكثر تأثيراً في تشكيل الصورة الذهنية لدى المجتمع الآخر، وتتطلب إيماناً ودعماً وتبني مُعظم أفراد المجتمع للرسالة السَّامية التي يُراد الوصول إليها وتحقيقها. فإذا وضعنا ذلك كله في عين الاعتبار عند النَّظر في الجهود التي بُذلت ومازالت تُبذل للوصول إلى الآخر لتحسين الصورة الذهنية السلبية المتراكمة عن المجتمع على مدى عقود مُتعاقبة، فهل نستطيع القول بأننا وصلنا للآخر؟!

نعم، قد تكون الجهود التي بُذلت ومازالت تبذل كبيرة، وقد تكون النشاطات المستهدفة نوعية، وقد تكون الخُطط الموضوعة متميزة، إلا أن هذه الجهود جميعها لن تُمكننا من الوصول للآخر إن لم توضع في إطار أكثر شمولية، وأكثر عُمقاً، وأكثر دقة. نعم، إن الذي نحتاجه للوصول للآخر –بالإضافة للجهود المبذولة– هو معرفة الجذور الحقيقية المُسببة لتشويه صورة المجتمع على مدى عقود متعاقبة، ومن ثم التواصل معها بصفتها الفئات المُؤثرة فعلياً في توجهات المجتمعات، والمقبولة أدبياً وفكرياً واجتماعياً. فإذا أدركنا –بناءً على منهجية ومؤسساتية عمل تلك المجتمعات– أن الجذور الحقيقية لتشويه صُورة المجتمع -فكرياً وأدبياً وسلوكياً- تتمركز في أصلها بمؤسسات التعليم العُليا، بالإضافة لمراكز الفكر والأبحاث، التي تُعتبر مُنتِجاً فعلياً للأفكار والطروحات والتوجهات، حيث تعمل هذه الجهات العميقة على تشكيل فكر وتوجهات أبنائها وخريجيها الذين سيعملون في مختلف المؤسسات، بالإضافة لتزويد المكتبات، والمؤسسات البيروقراطية، والجهات الإعلامية، بالأفكار التي يُراد لها أن تنتشر، وبالطروحات التي يُراد لها تُتبنى، وبالتوجهات التي يُراد لها أن تُتبع، فإننا سنتمكن من الوصول للآخر المُؤثر بالطريقة والشكل والأسلوب الصحيح، وسنُحقق الأهداف المُبتغاة بالوقت المُناسب.

نعم، إن تغيير الصورة الذهنية السلبية التي تراكمت عبر العقود المُتعاقبة يتطلب التواصل مع الآخر المُؤثر والفعَّال في تلك المجتمعات التنموية والمُتقدمة والصناعية. وهذا الآخر المُؤثر والفعَّال يُمكن الوصول له بالطرق التقليدية -كما بالطرق الحديثة- خاصة وأننا نملك الأدوات والعناصر المؤهلة والمُحترفة التي تفهم طريقة وأسلوب ومنهج الآخر، وتستطيع إيصال رسالة المجتمع بطريقة صحيحة ومُؤثرة ومُقنعة، وفي نفس الوقت تحظى بالقبول والتقدير لدى أبناء تلك المجتمعات لأنها تفهم لغتهم وثقافتهم ومنهجهم وطريقة تفكيرهم. إن الآخر المُستهدف الوصول إليه يتواجد فعلياً في الجامعات ومراكز الدراسات والفكر والأبحاث، حيث توجيه الأجيال علمياً وفكرياً ومنهجياً وسلوكياً، وحيث سيكونون مرآة تعكس ما يتلقونه في تلك المؤسسات العلمية والفكرية والبحثية. وبما أننا تجاهلنا كثيراً -أو أهملنا كثيراً- الأهمية المُتقدمة التي تلعبها هذه المؤسسات العلمية والفكرية والبحثية في تنشِئَة الأجيال اجتماعياً وفكرياً وسياسياً، فإنها أصبحت جاهزة لتلقي المعلومات من أي جهة جاهزة لذلك، وقد كانت تلك الجهات الجاهزة إما مُنافسة اقليمياً، أو معادية فكرياً وايديولوجياً، أو مُتطرفة ومنحرفة هدفها زعزعة أمن وسلم واستقرار المجتمعات المُعتدلة.

إن هذه الجهات المُنافسة والمُعادية والمُتطرفة تمكَّنت عَبرَ عقود مُتعاقبة من ملء ذلك الفراغ المعلوماتي بالطريقة التي تخدم مصالحها، واستطاعت بناء علاقاتها مع النُخب العلمية والفكرية والبحثية مما مكّنَها من التأثير عليها وتوجيهها لتتبنى أهدافها المُعادية للمجتمعات المُعتدلة. لقد أخذت هذه العملية المُعقدة والمُعدة بإتقان تعمل بإحكام لعقود مُتعاقبة حتى تمكنت من عقول وقلوب أبناء تلك المُجتمعات، ووجهتها للأهداف التي تريدها وتتطلع لتحقيقها، ويأتي على رأسها التشويه المُمَنهج لصورة وشكل وحياة مُجتمعنا على جميع المستويات. وبما أن هذه العملية مُعدة باحترافية عالية للتأثير السلبي المُباشر، ولتشكيل توجهات الرأي العام، فإنها تمكَّنت فِعلياً من تشويه صورة وشكل مُجتمعنا حتى أصبحنا في نظر الآخر وكأننا مجتمع بدائي في أسلوب حياته، ورجعي في طريقة تفكيره، ومُتطرف تجاه الأديان والمذاهب والعرقيات الأخرى، بالإضافة لتشويه صُورة أبناء المُجتمع ووصفهم بالجُهلاء غير المتعلمين. فإن كانت تلك نظرة الآخر -السلبية والمغلوطة تجاه مجتمعنا حيث نشاهدها ونسمعها-، فماذا يُفترض بنا أن نفعل لتصحيح تلك الصورة السلبية المُتراكمة لدى الأجيال الأخرى على مدى عقود مُتعاقبة؟!

إن الوصول للآخر المُؤثر يتطلب -بالإضافة للجهود الكبيرة التي تُبذل خلال الأعوام القلية الماضية- التواصل المُباشر مع الجِهات والنُخب العِلمية والفكرية والبحثية -لأنها المُشكِل الأول لطريقة ومنهج التفكير لدى الأجيال، والمُزود الأول للمعلومات والتحليلات التي تصل للمؤسسات التشريعية والتنفيذية والبيروقراطية، والفِئات الأكثر تشكيلاً لتوجهات الرأي العام عبر تواجدها وتواصلها مع وسائل الإعلام- وذلك من خلال الجِهات والنخب العلمية والفكرية والبحثية التي يملكها مجتمعنا. نعم، إن الوصول المُؤثر للآخر يجب أن يكون وفق استراتيجية تُعرف من خلالها الأسباب التي جعلت من صورتنا سلبية في نظر الآخر، وتُحدد الأولويات التي يجب أن تُتَبع لمعالجة تلك السلبيات، وتوضع الخطط الدقيقة لتنفيذ الأهداف السَّامية المتمثلة بإظهار الصورة الحقيقية للمجتمع من خلال التواصل المُؤثر والإيجابي مع الآخر المُؤثر فِعلياً في تلك المجتمعات.

وفي الختام من الأهمية القول بأنه في الوقت الذي نُؤكد فيه بأن الأعمال العظيمة والجهود الكبيرة التي تم ويتم بذلها -خلال السنوات القليلة الماضية- في سبيل إعادة المجتمع لحياته الطبيعية المُعتدلة التي تأسس عليها حيث الهدف أولاً رفاه وراحة المواطن، وتنمية وتطوير وتحديث المُجتمع، والارتقاء بمستوى الوطن عالمياً، فإن الوصول للآخر المُؤثر في المُجتمعات التنموية والمتقدمة والصناعية هدف مُهم يُمكن تحقيق النجاحات فيه إن تم التواصل مع الجِهات والنُخب العلمية والفكرية والبحثية لأنها القائد والمُؤثر الفعلي في تشكيل أفكار وتوجهات الأجيال والرأي العام. إنها عملية طويلة ومُعقدة تتطلب الدقة والتخطيط السليم، وتقوم على الصَّبر والمُثابرة، إلا أن نتيجتها حتماً ستكون إيجابية وبنَّاءة، خاصة وأن المُجتمع يملك الأدوات والعناصر المُؤهلة والمُحترفة.