قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الحراك السياسي في الشرق الأوسط يشهد منذ سنواتٍ تشكيلاً مختلفاً وتغييراً كبيراً لقواعد اللعبة، محلياً وإقليمياً ودولياً، وقبل الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي جو بايدن للمنطقة والسعودية تحديداً في قمة تجمع دول الخليج والدول العربية زادت وتيرة هذا الحراك السياسي. دول المنطقة الحية والفاعلة تتحرّك لحماية مصالحها واستقرار بلدانها ورفاهية شعوبها، وخلاصة ما جرى تمثل نموذجاً تاريخياً لكيفية إدارة الصراعات الدولية سيكتب عنه لاحقاً الكثير. محلياً، استطاعت العديد من الدول العربية التخلص من خطر «الأصولية» وحركات الإسلام السياسي عبر تصنيفها إرهابيةً، وهي التي كانت تمثل اختراقاً سياسياً واجتماعياً خطيراً لخدمة أجندة غربية وإقليمية معاديةٍ لبلدانها وسيادتها واستقلالها، وإقليمياً، أعيد بناء مفهوم الأمن الإقليمي وأولوية السلام لبناء جبهة متكاملة وتمّ استيعاب دولة إسرائيل في هذه المنظومة الجديدة.
دولياً، أعيد بناء التحالفات والتوازنات، فبعد انقضاء التحالف التاريخي مع أميركا والغرب في مرحلة الحرب الباردة وبعد «الحرب على الإرهاب» تغيرت أميركا ولم تعد حربها على الإرهاب جادةً وتحالفت مع «الأصوليات» لهدم الأنظمة السياسية في عددٍ من الدول العربية، إبان ما كان يعرف بـ «الربيع العربي» فتمّ بناء علاقاتٍ متوازنة مع روسيا والصين وإنشاء مشاريع عملاقة في التسليح والتنمية والطاقة والأمن الإقليمي والدولي، ما أجبر بعض القوى العظمى في العالم على إعادة حساباتها. «حرب روسيا وأوكرانيا» و«أسعار الطاقة» و«السلاح النووي» و«هدنة اليمن» و«ميليشيات الإرهاب» التي تسقط الأنظمة السياسية أعادت الشرق الأوسط إلى أولويات دولٍ حسبت أن التخلي عنه وعن مشكلاته ممكن إلى الاهتمام به مجدداً، وقبل زيارة بايدن جرت أحداثٌ مهمةٌ.
ولي العهد السعودي يزور مصر والأردن وتركيا، ويستقبل رئيس وزراء العراق والعاهل الأردني يتحدث عن حلف «ناتو» في الشرق الأوسط ، وأميركا تبدي تعاوناً نحو إعادة تشكيل القوى في المنطقة بما يضمن مصالح دولها وشعوبها. فالرئيس الأميركي جو بايدن يزور المنطقة، وهي جاهزة لإعادة بناء جديدة لتوازنات القوى فيها، والخيار واضح بين دولٍ تفتش عن السلام والتنمية والتقدم والازدهار وأخرى مشغولةٌ بحكم بنيتها بنشر الظلام والإرهاب والفوضى.
«الحرب الروسية الأوكرانية» البعيدة جغرافياً عن المنطقة أظهرت بجلاءٍ لا يحتمل اللبس قوة دول الشرق الأوسط ومدى تأثيرها في توازنات القوى الدولية، وبأن قراراتها وسياساتها واستراتيجياتها تغير الكثير من قواعد اللعبة السياسية حول العالم، وقد قالت هذه الدول كلمتها وعبّرت عن مواقفها بوضوحٍ منذ بداية تلك الحرب وذلك الصراع الدولي الجديد، وأنها ليست مع طرفٍ دوليٍ ضد آخر، بل هي مع السلام والتفاوض لحل تلك الأزمة وإنهاء تلك الحرب.
كل المؤشرات اليوم تؤكد أن أحداً لا يستطيع الانتصار الحاسم في تلك الحرب، وأن روسيا حققت أهدافها على الأرض وأن «العقوبات» القاسية ضدها تؤذي العديد من الدول الأوروبية قبل غيرها من دول العالم التي تأثرت بدرجات متفاوتة جرّاء ذلك الصراع الدولي، وأن «التفاوض» هو الحلّ المنطقي الوحيد هناك.
زيارة الرئيس بايدن المرتقبة هي نتيجة للكثير من السياسات والاستراتيجيات التي تم النجاح في بنائها وإنجازها في الفترة الماضية، وبالمقابل فبإمكانها التأسيس لمرحلة جديدةٍ في المنطقة والعالم تدعم السلام والتقدم والرقي والتنمية وتحاصر الإرهاب وداعميه جماعاتٍ ودولاً. أخيراً، فالسياسة فنٌ متعدد الأبعاد وقوة قرارٍ، وقد أثبتت دول المنطقة أنها قادرة على إعادة تشكيل القوى وصناعة التاريخ.