قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بوسع أيّ مراقب للسّاحة السياسية العالمية أن يلحظ بوضوح الجنوح نحو تشكيل تحالفات جديدة، تتشارك الرؤى والأهداف، وتتسم بخفة الحركة، وديناميكية إنفاذ القرار، بعيدًا عن سلحفائية الاجتماعات المطولة، والخطابات الأممية المملّة، وبيروقراطية اتخاذ القرارات، وعدم فعالية هذه القرارات نفسها لافتقارها - في الغالب - لوسائل تنفيذ ناجعة، والمحصلة المشاهدة أمميًا، اجتماعات تنتهي إلى الدوران في حلقات التنديد والشّجب والاستنكار وإبداء مشاعر القلق والأسف، إلى آخر هذه «الأكليشيهات» الأممية البائسة، التي باتت تسم الاجتماعات الأممية في مظهر ترهلها، وفقدانها لخصيصة التأثير في الساحة بشكل فاعل ومؤثر وفوري، ولا حرج إن أضمرت في نفسك أو أعلنت «موت» الأمم المتحدة، بما هو مشاهد ومنظور اليوم، بما يجعل من تحرّك البلدان نحو تشكيل تحالفات إقليمية ودولية ذات أثر؛ أمرًا ضروريًا، لتحقيق مصالحها، ومواكبة الأحداث في تسارعها، والذي لا يحتمل أي ضرب من التباطؤ في اتخاذ القرار، أو انتظار مخرجات البيروقراطية الأممية.

إنّ الإدراك الواعي من قيادتنا الرشيدة لهذا الواقع العالمي الجديد، تجلّى في انتظامها ضمن مجموعة العشرين، ودورها الريادي والقيادي، والذي بلغ الذروة برئاستها لهذه المجموعة في العام 2020م، في ظروف بالغة التعقيد، بسبب جائحة كورونا، ولسنا هنا بصدد سرد النجاحات التي حققتها المملكة إبان تلك الفترة، ولكن الشاهد الذي نشير إليه هو الانضمام إلى مجموعة فاعلة وقادرة على إحداث التغيير المنشود، والمحافظة على المصالح، وهو عين ما حققته المملكة بترميم البيت الخليجي، والمحافظة على وحدته وفق مخرجات «قمّة العلا» الشهيرة، والتي استطاعت أن تحفظ هذا الكيان الفاعل من بوادر التصدّع الذي طرأ عليه، لتأتي الحكمة السعودية وتعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

وامتدادًا لهذا الوعي الباصر من قيادتنا الرشيدة بضرورة أخذ زمام المبادرة والتحرّك بإيقاع يتناسب مع فوران الأحداث الإقليمية والعالمية، جاءت جولة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الأسبوع المنصرف لجمهورية مصر العربية، والمملكة الأردنية، وتركيا.. وهي جولة لا يمكن النّظر إليها بعين تغفل عن الزيارة المرتقبة لرئيس الولايات المتحدة، جو بايدن، والمعلن عنها في منتصف يوليو المقبل، والتي آثرت المملكة أن توسّع فيها من الدائرة، ولا تحصرها في الإطار المحلي، بالدعوة إلى قمّة خليجية تشارك فيها مصر والأردن وبعض الدول الأخرى، مصاحبة للقمة السعودية الأمريكية، الأمر الذي جعل من المهم والضروري تنسيق المواقف، وتشكيل خطاب متجانس، والاتفاق على محددات ثابتة، تضمن الخروج بقرارات فاعلة ومؤثرة من هذه القمة المهمة، بالقياس إلى الملفات الساخنة المنتظر مناقشتها، ومن أبرزها على الإطلاق الملف النووي الإيراني، والدور الأمريكي الفاعل في تحديد مسارات النقاش حول هذا الملف في الاجتماعات التي تجري حاليًا في جنيف، بما يقف الرئيس بايدن على الرؤية العربية والخليجية لهذا الملف، والمخاوف التي يجابهها الإقليم جراء مناوشات النظام الصفوي في إيران، وزعزعته لأمن واستقرار المنطقة، وإشعال بؤر الاحتراب والفتن في جيوبه المتمثلة في مليشيا الحوثي الإرهابية في اليمن، وحزب الله في لبنان، وغيرهما من الألغام التي تزرعها إيران في المنطقة، والتي لم تسلم حتى تركيا من بوائقها، فهذا الملف يستوجب تشكيل رؤية موحدة، وتقديم خطاب منسجم لماهية الحل الضامن لأمن وسلامة المنطقة.

كذلك يبرز ملف القضية الفلسطينية بوصفه من الملفات المقلقة، والتي تستوجب تنسيق الجهود، واستحضار الحلول الممكنة لوضعها أمام الرئيس «بايدن» بخاصة وأنه سيبتدر زيارته بإسرائيل، ليأتي إلى قمة الرياض بالرؤية الإسرائيلية، بما يلزم أن يجد الرؤية العربية والإقليمية المقابلة جاهزة برؤيتها المتحدة، وخطابها المنسجم، وموقفها الواضح، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بمثل جولة ولي العهد..

ولن نغفل كذلك ملف سد النهضة، والأثر السلبي الذي أحدثه في دول المنبع والمصب، وحتمية الوصول إلى توافق في الرؤى يجنب المنطقة أي صراع خارج الحدود والأطر الدبلوماسية السلمية، بجانب ملفات الأمن والسلم في العديد من الدول العربية التي تشهد اضطرابات داخلية بالغة التعقيد.. كل هذه الملفات وغيرها تظل من القضايا المنظور حضورها في القمة المنتظرة منتصف يوليو المقبل، ومما لا شك فيه أنها كانت حاضرة في أجندة المباحثات بين ولي العهد وقادة مصر والأردن وتركيا، وبالنّظر إلى فاعلية هذه البلدان الثلاثة وأثرها الملموس وقدرتها على إحداث التغيير المنشود، تكتسب الجولة أهميتها، وبعدها الإستراتيجي، غير غافلين بالتأكيد ما أثمرت عنه من توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وعرض لفرص الاستثمار، واستنهاض الهمم من أجل توثيق الأنشطة التجارية والصناعية والاستثمارية بما يحقق الهدف من تبادل المنافع المشتركة وتحقيق المصالح المتبادلة بما يضمن تطورًا مستمرًا ونموًّا مزدهرًا يعود بالنفع على الشعوب. إنه محمد بن سلمان صاحب الرؤية ممثل عمق الدور السعودي القيادي في عالم اليوم. ليباركه الله في كل خطواته.