قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يبحث الليبيون عن رغيف الخبز وسط عتمة دامسة بسبب غياب الكهرباء، والبلاد تطفو فوق بحرٍ من الخيرات النفطية ولديها ثروات زراعية وسمكية كبيرة، بينما يتمدّد الانقسام الى مربعات جديدة في العاصمة طرابلس، وبين النواحي المختلفة في مساحات جغرافيتها الشاسعة.
انتفض شباب ليبيا مجدداً منذ مطلع يوليو/تموز الجاري في غالبية مدن الدولة، مطالبين بإنهاء الأزمة السياسية والانقسام اللذين يسببان حالة من العوز والفقر.
والانتفاضة الجديدة تُشبه ما حصل عام 2011، وأدى حينها إلى الانقلاب على نظام معمر القذافي، لأن التحركات كانت شاملة وعارمة، وحملت الشعارات ذاتها، وقد فرضت إيقاعاً جديداً، تهَّيب أمامه قطبا الانقسام في حكومة عبد الحميد الدبيبة المتمركزة في طرابلس، وحكومة فتحي باشاغا التي تتخذ من مدينة سرت مقراً مؤقتاً لها.
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أعلن عن إطلاق مبادرة جديدة تنهي الانقسام، وتستند إلى ركائز، هي: وقف الحرب التي عادت مجدداً بين الفصائل المختلفة تحت سقف وحدة البلاد، والحدّ من التدخلات الخارجية، ووضع خطة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أسرع وقت. والمجلس الذي يرأسه المنفي يحافظ على وحدته، وهو يضم ممثلين عن كافة الأطياف والجهات الليبية، تمَّ تعيينهم في فبراير/شباط 2021، من قبل ملتقى الحوار الذي جرى برعاية الأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية، وبرعاية عربية ودولية واسعة.
البرلمان الليبي الذي يتخذ من مدينة طبرق مقراً له، شعر بخطورة الوضع، عندما أشعل المتظاهرون النار في بعض أنحائه الاثنين الماضي. لكن البرلمان الذي تمَّ انتخابه في يونيو/حزيران 2014، عاجز عن اتخاذ أي مبادرة تؤدي إلى الحل، لأن حكومة الدبيبة تناصبه العداء، على اعتبار أنه عين فتحي باشاغا رئيساً للحكومة بديلاً له، وقبل أن تجرى الانتخابات وفق ما تم الاتفاق عليه في ملتقى جنيف. لكن الدبيبة ساهم مع غيره في إجهاض العملية الانتخابية التي كانت مقررة في شهر ديسمبر/كانون الأول 2021، ليتمسَّك بالسلطة في طرابلس، وفقاً لرأي أخصامه السياسيين.
وما يزيد من خطورة الوضع في ليبيا الاختلافات الدولية التي استجدت بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، بحيث أصبحت روسيا على طرف نقيض مع فرنسا وألمانيا اللتين لعبتا دوراً أساسياً في رعاية الحل الذي حصل في فبراير/شباط 2021، وهذا الاختلاف المستجد أربك المبادرة العربية للحل التي تقودها مصر والإمارات العربية المتحدة، كما أن روسيا تحاول إعاقة الاستفادة الغربية من النفط الليبي كتعويض عن صادراتها إلى أوروبا، وليس مصادفةً أن تتمركز الميليشيات المدعومة من الخارج بالقرب من المنشآت النفطية الليبية في الوسط والجنوب.
من الواضح أن ملف النفط أساسي في مندرجات الأزمة الليبية، وللملف أبعاده الداخلية المؤثرة، إضافة إلى تأثيراته الخارجية؛ ذلك أن مناصري كل من الحكومتين المتنافستين في طرابلس وسرت، يحاولون تعطيل إنتاجه، لكي تمنع كل منهما الأخرى من الاستفادة من عائداته المالية، وهو ما ساهم في نشوء أزمة غير مسبوقة في تاريخ ليبيا، ففقدت المحروقات من الأسواق الليبية، واصطفَّ المواطنون طوابير طويلة أمام محطات توزيع الوقود للحصول على بعض حاجاتهم، كما توقفت معامل توليد الكهرباء عن العمل في العديد من المناطق بسبب نقص مادة الفيول.
تبدو ليبيا في ليلٍ سياسي واقتصادي مُعتم، والبلاد التي تعتمد على استيراد 85% من حاجاتها الغذائية، محاطة بالنكبات المتتالية التي تمنع قسماً كبيراً من هذه الحاجيات من الوصول إلى أسواقها. وقد ساهمت الأزمة الأوكرانية في تفاقم مشكلة المواد الغذائية في ليبيا، لأن واردات القمح إلى أسواقها تراجعت، كما أن صراع الحكومتين المختلفتين يتركز على منع كل منهما الأخرى من استخدام الموانئ لتعزيز صادراتها النفطية، وتعطيل قسم من الموانئ يؤدي حكماً إلى تراجع الواردات من المواد الغذائية.
يتطلّع المواطنون على اختلاف انتماءاتهم إلى شباب الانتفاضة الجديدة، لتحقيق خرق في مساحة الانسداد القاتل، وقد تبين أن مطالب المنتفضين ظهرت موحدة في كل المدن والجهات الليبية، وتركزت على إنهاء الانقسام السياسي والعسكري، والشروع في إجراء انتخابات نيابية ورئاسية في أسرع وقت، وتوفير مقومات العيش الكريم للمواطنين.
القمة العربية المقبلة في الجزائر مُطالبة بسحب المبادرة من المتنازعين، وبرفع الغطاء عن معرقلي تطبيق الحل الذي أقره ملتقى الحوار في جنيف بمباركة عربية ودولية واسعة.