قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كلما ارتفع سعر النفط والغاز، ازداد النقد على الدول المنتجة وعلى رأسها الدول الأعضاء في "أوبك +". وتنصب الأنظار على دولتين وهما روسيا والمملكة العربية السعودية اللتان تملكان احتياطيات هائلة وطاقة إنتاج كبيرة؛ لذا التفاهم بينهما ضمن إطار "أوبك +" يلعب دورا مؤثرا في العرض والطلب في الأسواق العالمية. ولروسيا دور مؤثر ليس في إنتاج وتسويق النفط فحسب، بل في إنتاج الغاز أيضا حيث تعتمد أغلب دول أوروبا الغربية على واردات الغاز الروسية لأغراض التدفئة وإنتاج الكهرباء وتدوير عجلة صناعات استراتيجية. ولا شك هناك حاليا أزمة في أسعار الوقود. السردية الشائعة تقول إن أسعار النفط والغاز مرتفعة جدا بسبب قلة العرض.

نظريا، هذا صحيح. ولكن الواقع يعكس أن الدول المنتجة ليست المستفيدة الرئيسة من ارتفاع الأسعار، بل إن أول المستفيدين هم شركات النفط الغربية. والسبب واضح. إن كانت الدول المنتجة تكسب من ارتفاع الأسعار وقلة العرض، فإن مكاسبها محصورة في سعر البرميل من النفط الخام أو سعر وحدة القياس للغاز المستورد وهي في الغالب بالأمتار المكعبة. ولكن أي مقارنة بين وحدات البيع بالجملة "البرميل والمتر المكعب" وبين وحدات القياس التي تبيع بموجبها الشركات الغربية المشتقات من النفط والغاز إلى زبائنها "أي مواطنيها" ستظهر أن ارتفاع الأسعار في محطات التعبئة "الليتر والجالون" وبيع الغاز للزبائن للتدفئة أو الشؤون الصناعية "مليون وحدة حرارية MMBTU" تقرره شركات النفط الغربية العملاقة وليس الدول المنتجة.
لنفرض أن سعر برميل النفط هبط بنسبة 50 في المائة في الأسواق العالمية، فإن سعر الليتر أو الجالون في محطات التعبئة سيبقى إما كما هو وإما أنه ينخفض بنسبة تقل كثير جدا عن نسبة هبوط سعر البرميل.
وفي الاقتصادات الرأسمالية بصورة عامة تشكل الأزمات مثل الحرب الدائرة في أوروبا حاليا فرصة للشركات الغربية لجني الأرباح وتكديس الثروات وإن كان ذلك على حساب أصحاب الدخل المحدود أو الفقراء من الناس. وفي مستهل الحرب التي ستنهي شهرها السادس بعد يوم أو يومين، كانت السردية الدارجة في الدول الغربية وحكوماتها وحتى شعوبها أنها على استعداد لتقديم أي تضحية وتحمل أي تبعات لهزيمة الجيش الروسي وإخراجه من الأراضي الأوكرانية.
الدعم الغربي لأوكرانيا مستمر، ولكن هناك حاليا تململ على أكثر من مستوى لأن التضحيات كبيرة في المال والعتاد وغيره. ومن ثم، هناك تركيز في الغرب على أن هناك من يضحي جراء دوران عجلة الحرب دون توقف، وهناك من اكتشف أن الحرب ذاتها منجم لتراكم الثروة والأرباح.
والأنظار موجهة صوب شركات النفط الغربية العملاقة التي كانت الحرب لها بمنزلة بئر نافورية دافقة لجني الأموال حيث رأت في ازدياد الطلب على الطاقة وقلة العرض فرصة مثالية لرفع أسعار المشتقات التي تبيعها وتسيطر على تسويقها. وإن نظرنا إلى إحصائيات العام الماضي الذي بدأت فيه أسعار النفط بالتعافي، لرأينا أن عمالقة النفط الأربعة وهم شيل وشيفرون وبريتش بتروليوم وإكسون حققت ما مجموعه 75 مليار دولار من الأرباح الصافية.
وكانت الحرب في أوروبا فرصة ذهبية لهذه الشركات لم تشهد مثيلا لها في السابق. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب حققت أربع شركات نفط غربية عملاقة نحو 51 مليار دولار من الأرباح الصافية، أي ضعف ما حققته في الفترة نفسها للسنة الماضية.
وفي الوقت نفسه، أصرت ولا تزال هذه الشركات على عدم زيادة إنتاجها من الحقول التي تحت تصرفها وكذلك رفض الطلبات لرفع مخزونها وإنتاجها من المشتقات. مع كل هذا، بقيت هذه الشركات، ويبدو أنها ستبقى، في منأى عن أي مساءلة عن دورها في رفع الأسعار وشح المعروض كذلك لماذا تبقى أسعار المشتقات مرتفعة حتى الآن رغم الانخفاض الملحوظ في أسعار النفط التي تقل حاليا عن 100 دولار للبرميل؟.
وارتفعت أخيرا أصوات في الغرب تدعو إلى فرض ضرائب إضافية على الأرباح التي تجنيها الشركات الغربية من الحرب والأزمة الشديدة التي تمر بها الاقتصادات الغربية ووقع ذلك على أصحاب الدخول المحدودة.
بيد أن كل هذه الأصوات تذهب أدراج الريح. التاريخ يعلمنا أن هذه الشركات الغربية العملاقة كانت دائما السباقة للاستفادة القصوى من الأزمات وأن مصائب قوم ما هي عندها إلا فوائد وأن أي ضغط عليها سيكون له ارتدادات عكسية قد تقلب الطاولة على الأسواق العالمية.