من الشخصيات التي طواها النسيان ولم يكتب عنها الكثير، على الرغم من ورود اسمها في التاريخ العربي الحديث، وفي تاريخ الجيشين السعودي والكويتي على وجه التحديد، اللواء الركن وجيه المدني الذي شغل في ستينات القرن العشرين منصب قائد جيش التحرير الفلسطيني، وذلك من بعد مسيرة طويلة تنقل خلالها بين عدة أقطار وجيوش، ومارس أثناءها وظائف عديدة، وكان شاهدا على أحداث ومنعطفات تاريخية حتى تاريخ تقاعده من الجيش الكويتي سنة 1983م، ثم وفاته ودفنه بمدينة الكويت في الرابع عشر من سبتمبر 1991م.

بحثتُ كثيرا عما يرشدني إلى سيرته المكتنزة بالأحداث والتقلبات، وإلى الجوانب التي أثرت في شخصيته إلى أن اهتديت إلى الكتاب اليتيم الذي يتحدث بالتفصيل عنه، وهو كتاب ألفته ونشرته ابنته خديجة المدني عام 2013 في 245 صفحة تحت عنوان «هذا أبي وجيه المدني»، وأشارت فيه إلى أن اللقب الأصلي لعائلتها هو «العسكري»، وأن عائلة العسكري منتشرة في السعودية والكويت ومصر والأردن وسورية، لكن أسرتها ألحقت باسمها لقب المدني نسبة إلى المدينة المنورة لأن جدها ولد وعاش طويلا بمدينة الرسول قبل أن يهاجر منها إلى بيروت زمن الدولة العثمانية لتسلم قيادة دائرة المعارف هناك، ومن ثم إلى مدينة عكا الفلسطينية ليتسلم هناك عملا حكوميا جديدا هو إدارة جمارك عكا.

ولد وجيه حسين طلعت مصطفى العسكري المدني بمدينة عكا عام 1921م في أثناء عمل أبيه هناك. وفي سن الثالثة فقد والدته، وبعد ذلك بنحو ثلاثة أعوام فقد والده، فنشأ يتيما في كنف شقيقه الأكبر مصطفى الذي كان يقيم ويعمل بمدينة يافا. وفي عام 1932 انتقل شقيقه إلى جوار ربه فانتقل للعيش مع ابن أخيه عادل الذي كان يكبره بثلاثة وعشرين عاما ويعمل في جمارك مدينة يافا. ومما لا شك فيه أن يتمه المبكر والفواجع التي تعرض لها في مقتبل عمره انعكست على شخصيته لجهة الصرامة والحزم من ناحية، ورقة المشاعر من ناحية أخرى.
تلقى وجيه المدني تعليمه أولا في عكا، وأكمله في يافا، التي كانت وقتذاك من منارات العلم في بلاد الشام، إلى أن حصل على شهادة «المترك» التي كانت تعادل الثانوية العامة حاليا. وعلى إثر ذلك، وبسبب عشقه للحياة العسكرية ورغبته في الاعتماد على نفسه، التحق بالكلية العسكرية البريطانية في يافا زمن الانتداب البريطاني لفلسطين، فاستفاد من دراسته في تلك الكلية استفادة جمة وتعلم من خلالها الجدية والانضباط في العمل وتقديس الوقت وغيرها من الصفات التي تميز بها معلموه الإنجليز، إلى أن تخرج ضابطا عسكريا برتبة ملازم أول.
بعد تخرجه خدم في الجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية، كما عمل مدربا لدورة الضباط الفلسطينيين في معسكر قطنا بسورية. وفي عام 1946م التحق بالجيش السعودي الناشئ بمقره في مدينة الطائف، حيث أقام هناك متوليا تدريب أفراد الفرق العسكرية، كما تسنى له إبان ذلك تأدية فريضة الحج. واستمر كذلك حتى عام 1948م الذي استقال فيه من وزارة الدفاع السعودية كي ينضم إلى جيش الإنقاذ الفلسطيني الذي شكلته اللجنة العسكرية التابعة للجامعة العربية من المتطوعين العرب بهدف المشاركة في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في تلك السنة. والمعروف أن وحدات جيش الإنقاذ تكونت من لواءين وثمانية أفواج، فكان صاحبنا قائدا لسرية مشاة في «لواء اليرموك» الذي قاتل على أرض فلسطين في أكثر من معركة. ويقال أنه كان إلى جانب الشهيد عبدالقادر الحسيني وقت استشهاد الأخير في معركة القسطل بالقرب من القدس في الثامن من أبريل 1948م.
وبعد فترة وجيزة من انتهاء حرب 1948م بنتائجها المعروفة، قرر المدني في عام 1950م الخروج من جيش الإنقاذ لممارسة العمل المدني الحر، فعمل في تجارة المواد الغذائية مع أخيه عادل وظل ينتقل لهذا الغرض ما بين لبنان وتركيا. وفي هذه الفترة من حياته تزوج في بيروت من اللبنانية «نادية مصطفى القباني» التي أنجبت له تسعة أبناء (ست بنات وثلاثة أولاد)، ليستقر في لبنان مع نهاية عام 1951م.
ويبدو أن الرجل لم يستسغ الحياة المدنية طويلا، لأن العسكرية كانت تعيش في دمه وكيانه وتلح عليه للعودة إلى عرينها، لذا نراه يترك العمل الخاص بدءا من عام 1953م. وقتها كان اسم وجيه المدني متداولا بين القادة والمهتمين بالشؤون العسكرية في العالم العربي كضابط محترف يمكن الاستفادة من تعليمه وخبرته وامكانياته واجادته للإنجليزية والتركية. وتصادف ذلك مع البدء في تشكيل اللبنات الأولى لوحدات الجيش الكويتي تحت قيادة نائب الحاكم آنذاك المرحوم الشيخ عبدالله المبارك الصباح (ت:1991)، فاستدعاه سموه للعمل في الكويت، بل أرسل له في عام 1953م جواز سفر كويتي كي ينتقل بهه إلى الكويت. وهكذا استقل المدني من بيروت إحدى الطائرات المدنية التي حطت به في الكويت، حيث استقبله الشيخ عبدالله المبارك وألحقه فورا بالجيش الكويتي الذي تدرج من خلاله في الرتب العسكرية والمناصب القيادية.

في الكويت سكن المدني أولا بمنطقة الشامية ثم انتقل منها بعد مدة قصيرة إلى منطقة «أم صده» فإلى منطقتي النقرة والفروانية على التوالي. أما لجهة العمل فقد بدأ في قيادة قوة الحدود برتبة مساعد ضابط رماية، ثم رقي إلى رتبة ملازم في فبراير 1954م، فإلى رتبة ملازم أول في يونيو 1954م، فإلى رتبة رئيس ثان في أبريل 1955م، فإلى رتبة رئيس أول في أبريل 1957م. وحينما شكلت وحدة تدريب وتأهيل المتطوعين والملتحقين بالجيش الكويتي في مارس 1959م كان هو الذي تولى أمرتها وكان أول رئيس لها حتى عام 1962م.
في عام 1960محينما قرر رئيس أركان الجيش الكويتي الشيخ مبارك العبدالله الجابر الصباح (ت: 1987) تشكيل فصيل للمغاوير متميز بالسرعة والقوة والعنف أوكل إلى المدني اختيار 33 جنديا من صفوة الجيش وتدريبهم على جميع أنواع المخاطر والصعاب. أما حينما دخلت الكويت في أولى أزماتها مع العراق بُعيد استقلالها عام 1961م، وأعلنت فيها حالة الاستنفار والتأهب العسكري، ولاسيما ضمن قوة الحدود، تولى المدني قيادة الكتيبة 15 التي تحركت مع الكتيبة 35 بقيادة «سليمان المدير» نحو الخطوط الأمامية تأهبا للقتال ضد قوات الزعيم العراقي عبدالكريم قاسم. كما قام المدني بقيادة فرقة مغاوير الجيش في مناورة إنزال بحري مع القوات البريطانية على ساحل الضباعية بمحافظة الأحمدي.
بعد موافقة مؤتمر القمة العربي الثاني في الإسكندرية المنعقد في سبتمبر 1964م على إنشاء «جيش التحرير الفلسطيني» كجناح عسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست في يونيو 1964م بموجب قرار مؤتمر القمة العربي الاول بالقاهرة (13 ــ 16 يناير 1964م)، انتدب المدني من الجيش الكويتي لتولي قيادته بطلب من المرحوم أحمد الشقيري (ت: 1980) أول رئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، فقام الأخير بترقيته إلى رتبة لواء، وذلك لتسهيل مسؤولياته الإدارية والعسكرية. كما عينه لذات الغرض عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة. فترتئذ بدأت مراكز التعبئة والتجنيد في العراق وسوريا والأردن وقطاع غزة (كانت وقتها تحت الإدارة المصرية ويحكمها ضابط مصري رفيع هو الفريق يوسف العجرودي) تستقبل المتطوعين من فلسطينيي الشتات للتدريب على حمل السلاح والانضمام إلى صفوف جيش التحرير، ولهذا صار المدني يتنقل بجوازه الكويتي بين الدول العربية المستضيفة لوحدات جيشه مثل وحدة حطين في سوريا ووحدة القادسية في العراق وقوات عين جالوت في مصر وكتيبة المغاوير في لبنان والأردن.
وفي أعقاب هزيمة يونيو عام 1967م، ومجيء قيادة جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية رأت اللجنة التنفيذية الجديدة أن ظروف المرحلة ومتغيراتها تتطلب إجراء تغييرات في مناصب قيادة جيش التحرير فعينت عبدالرزاق اليحيى قائدا جديدا له، وعلى أثر ذلك تم انهاء انتداب اللواء المدني وعاد إلى الكويت. وقد وجدت في كتاب «مذكرات أول رئيس أركان لجيش التحرير الفلسطيني» (مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع/‏ بيروت/‏ 2007) لمؤلفه العميد ركن متقاعد صبحي الجابي ما يفيد أن عملية استبدال المدني بعبدالرزاق اليحيى تمّ التبرير لها بعدم امتلاكه خبرات حربية أكاديمية عالية كونه لم يتلق دورات عسكرية تلائم المستجدات. وطبقا لمؤلف الكتاب فإن ضغوطا مورست عليه من قبل الفلسطينيين والمصريين معا كي يترك منصبه بدليل قيام الصحافة المصرية وقتذاك بنشر صورة قديمة له تجمعه مع حاييم لاسكوف، الذي أصبح رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي، عندما كان الاثنان يخدمان برتبة ملازم اول في الجيش البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية. فهم الرجل وقتها مغرى نشر تلك الصورة والهدف الخفي من ورائه، فقدم استقالته طوعا.
وهكذا عاد المدني إلى موقعه الأصلي كضابط في الجيش الكويتي، وظل يعمل فيه إلى أن بلغ الستين، ليصدر مرسوم أميري في سبتمبر 1981م يقضي بتمديد خدمته وتعيينه معاونا لنائب رئيس أركان الجيش. وفي هذه الفترة تمّ تأسيس مديريتين قانونيتين في الجيش الكويتي هما مديرية القضاء العسكري الأميري التي أنيطت رئاستها بالرائد محمد العفاسي، ومديرية الشؤون القانونية التي أوكلت رئاستها إلى المدني، إضافة إلى مناصبه الأخرى. وبصفته تلك ساهم في صياغة العديد من القوانين ذات العلاقة بالقوات المسلحة ومنسوبيها، ومنها القانون الخاص بالأوسمة والأنواط العسكرية الكويتية. وفي عام 1983م صدر مرسوم أميري آخر قضى بترفيعه إلى رتبة لواء مع إحالته للتقاعد بدءا من 16 يوليو 1983م، بناء على طلبه بسبب ظروفه الصحية.
ومما يذكر للمدني أنه، حينما عمل في إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الكويتي، جعل للتوجيه المعنوي برامج إذاعية وتلفزيونية، وأسس فصولا خاصة داخل الوحدات العسكرية لمحو أمية الجنود مع انتداب معلمين لهم، ناهيك عن إشرافه على مجلة «حماة الوطن» الناطقة باسم الجيش منذ صدور عددها الأول في أكتوبر 1960م، ورفدها بالمقالات والدراسات والمقابلات. كما يحسب له، أنه حينما كان برتبة رئيس أول ويترأس قسم النشر والترجمه في الجيش، قام بتنشيط حركة النشر وترجمة الكتيبات الخاصة بأمور التعبئة والانضباط واستخدام الأسلحة والمعدات العسكرية من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية.
وتشاء الأقدار أن يكون الرجل في قبرص في حالة صحية حرجة وقت حدوث الغزو العراقي للكويت صبيحة الثاني من أغسطس 1990م، ما جعل ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح (ت: 2008) رحمه الله يأمر بنقله إلى الرياض للعلاج هناك بالمستشفى العسكري التابع لوزارة الدفاع والطيران السعودية، وذلك تقديرا لإسهاماته وتأكيدا على أن الكويت لا تتخلى عمن يحملون هويتها حتى في أحلك الظروف. وهكذا قضى المدني فترة الغزو، وما رافقها من وتهجير ودمار، وهو يتلقى العلاج في الرياض ما بين المستشفى العسكري ومستشفى الملك فهد التخصصي.
كانت أمنية وجيه المدني أن يأتيه الأجل وهو على أرض الكويت وأن يُدفن في ترابها، وقد حقق المولى عز وجل أمنيته، فكانت وفاته بعد تحرير الكويت بعدة أشهر، وتحديدا في الرابع عشر من سبتمبر 1991م، وفي اليوم التالي ووري جثمانه الثراء بمقبرة الصليبيخات.

ترك المدني خلفه سيرة حميدة وذكرى طيبة لدى كل مع عرفه أو تعامل معه. أما أبناؤه التسعة، الذين أنجبوا له 25 حفيدا، فقد حرص على تعليمهم أفضل تعليم وتوجيههم نحو خدمة الكويت وأهلها، فبرزوا في ميادين متنوعة ومنهم: د. يسر وجيه المدني (عضو هيئة التدريس بقسم اللغة الإنكليزية وآدابها في جامعة الكويت)، وخديجة وجيه المدني (حاصلة على ماجستير هندسة الكترونية وكهربائية، ومتقاعدة من العمل بمعهد الأبحاث)، ونازك وجيه المدني (حاصلة على ماجستير هندسة بيئية، ومتقاعدة من العمل في معهد الأبحاث)، المرحوم طلعت وجيه المدني (درس هندسة طيران، وعمل برتبة مقدم في سلاح الطيران الكويتي قبل وفاته في عام 1994م)، إيمان وجيه المدني (حاصلة على بكالوريوس هندسة كمبيوتر وعملت مديرة لإدارة الموارد البشرية في بنك الكويت والشرق الأوسط)، طارق وجيه المدني (يحمل بكالوريوس هندسة الكترونية وعمل في ديوان الخدمة المدنية كمستشار نظم معلومات)، طلال وجيه المدني (يحمل بكالوريوس هندسة صناعية وعمل مديرا للنادي الصحي بفندق النخيل) وإلهام وجيه المدني (تحمل بكالوريوس علوم كمبيوتر، ومتقاعدة من العمل في بنك الخليج)، وهدى وجيه المدني (تحمل بكالوريوس علوم كمبيوتر وعملت في بنك الشرق الأوسط).
علّم المدني أولاده ورباهم على فعل الخير من أول راتب يحصلون عليه، حيث أنشأ صندوقا عائليا للزكاة يدخل فيه جزءا من رواتبهم من أجل إعانة المحتاج من الأسر، وبعد وفاته أكمل أبناؤه مسيرة الخير التي أسسها والدهم، والتي بدأها الراحل بتأسيس «دار القرآن الكريم» عام 1977م في مركز أم عطية بمنطقة عبدالله السالم.