قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

اندهش البعض من هذا الاحتفاء الجماهيرى الكبير بملكة بريطانيا الراحلة، إليزابيث الثانية، وما عزّز من تلك الدهشة هو أن الملكة تملك ولا تحكم، وأن سلطاتها محدودة، حتى لو اتّسعت قليلًا فى وقت الحروب والأزمات الكبرى.

والحقيقة أن كثيرًا من النظم الملكية عبّرت عن فكرة المؤسسة الضامنة للمسار السياسى، التى يتسع دورها ويقل تبعًا لسياقها الثقافى والتحديات المجتمعية التى تواجهها، حيث اعتبرت بعض المجتمعات أنها فى حاجة إلى سلطة معنوية ضامنة تحُول دون أى انحراف بالسلطة وقواعد النظام السياسى.

والحقيقة أن النظم الجمهورية لم تعرف كلها مسألة السلطة الضامنة، ولذا لم يكن غريبًا أن بعضها عرف توريثًا للسلطة مثل النظم الملكية ودون تقاليدها، كما عرف بعضها الآخر استبدادًا أكثر قسوة من الملكيات المطلقة، بالمقابل هناك نظم جمهورية أخرى استقرت بعد سنوات طويلة من التحولات والنكسات حتى أصبحت نظمًا جمهورية ديمقراطية مثلها مثل بعض النظم الملكية، التى تحولت من نظم استبدادية إلى دستورية.

والحقيقة أن فكرة المؤسسة الضامنة وُجدت أيضًا فى كثير من التجارب الجمهورية، حيث لعبت أحيانًا المؤسسة العسكرية هذا الدور فى مراحل الانتقال الديمقراطى وضامنًا للعملية السياسية كما جرى فى البرتغال وعدد محدود من تجارب أمريكا الجنوبية، وبقيت فى تجارب أخرى بمثابة السلطة، التى لها حق الفيتو فى لحظات الأزمات الكبرى دون أن تدخل بشكل مباشر فى العملية السياسية.

والحقيقة أن الوصول إلى صيغة «الملكية الضامنة» التى لا تحكم كان نتاج تراكم طويل لم تعرفه كثير من النظم الملكية فى داخل العالم العربى وخارجه، فلنا أن نتصور أن «الماجنا كارتا» أو الميثاق الأعظم- وهى وثيقة إنجليزية صدرت، لأول مرة، بعد التعديل فى 1216، وطالبت الملك بأن يمنح حريات معينة، وأن يقبل بأن تصبح حريته غير مطلقة، وأن يوافق علنًا على عدم معاقبة أى «رجل حر» إلا بموجب قانون الدولة- تكاد تُعتبر أول وثيقة سلمية تُفرض على ملك فى العالم من قِبَل مجموعة من رعاياه، (وهم البارونات)، للحد من نفوذه وحماية امتيازاتهم فى نفس الوقت، وأسست للملكية الدستورية.

ويبدو لافتًا أن تقاليد الاستمرارية التى تعرفها بريطانيا جعلت هذا النص يتحول إلى قانون فى عام 1225، ثم أصبح بعد ذلك ضمن كتب لوائح الأنظمة الداخلية لإنجلترا وويلز حتى الآن.

هذا التراكم البريطانى والإصلاح من داخل النظام الملكى لم تعرفه كل المجتمعات، ففرنسا مثلًا أحدثت بثورتها (1789) قطيعة دموية مع نظامها الملكى وأسست لجمهورية قوية، والنموذجان نجحا بوسائل مختلفة فى رحلتهما التاريخية حتى قدما رسالة تقول إن صفحة الصراع الملكى الجمهورى طُويت، والمهم أن تؤسس لنظام كفء يعبر عن سياقك التاريخى ويدافع عن مصالح الشعب ويعمل على تقدمه.