الطب في جوهره ليس مهنة ولا وظيفة ولا حتى استرزاقا مثل بقية الانشطة التي يحتاجها الانسان ويمارسها، بل نعمة للبشرية لا يمكن تقديرها بأي ثمن مادي، لأن القيمة الروحية في الطب تعلو فوق جميع أسعار الماديات في أسواق السلع والخدمات..

عندما يشعر الانسان بوعكة صحية، فإنه ينظر اليها وكأنها لغز مما يضطره لا إراديًا الى تغليف اللغز بالسر، حيث لا يرغب أن يعلم أحد عن حاله، حتى أفراد أسرته بالنسبة لكثير من الناس. مرض الانسان سر دفين في نفسه وعصي على جميع الناس إلا على من بيده نعمة الطب. أمام الطبيب يكشف المريض غلاف السر عن لغز حالته الصحية وهو مطمئن البال وكله أمل بالشفاء لأنه تحت يد رحيمة في مأوى الرحمة والنعمة.

والطب أمانة المريض بيد الطبيب، اذا أخلص الطبيب للطب ينعم المريض بالشفاء والصحة، أما اذا عبث الطبيب بأمانة الطب وخان العهد الذي يربطه بالمريض، وانزلق من القيمة الروحية للطب الى السعر المادي الذي يمكن استنزافه من الطب على حساب صحة المريض، فإن نعمة الطب للمريض تتحول الى ثروة متراكمة من المال تدخل جيب الطبيب. هذا الانزلاق من نعمة الطب الى سعر الطب تنبأ به الطبيب الفيلسوف اليوناني أبقراط قبل أكثر من 2500 عام، مما جعله يصيغ قسمًا للطبيب، يتعهد به للمريض، حتى لا ينزلق ضميره الى لجة الهوى.. عندما كان الطبيب يسترشد بالقسم ويلتزم بالعهد، كانت الناس تلقبه «الحكيم»، وكان اللقب في موضعه النفسي والذهني لأنه يعبر عن جوهر الطب المغروس في ضمير الطبيب.. مع ولادة نظام اقتصادي جديد على انقاض نظام إقطاعي - أبوي قديم تبلور دين جديد إلَهُهُ المال ومعبده الربح، انجرف كثير من الاطباء مع التيار وتبخر قسم أبقراط، وانقطع حبل العهد بين الطبيب والمريض، وسقط من الذهن الجمعي عند الناس لقب «حكيم»، وما كان لهذا التحول أن يضير مَنْ استساغ الدين الدنيوي الجديد.

كل تحول نوعي يعقبه تطور ينسجم وطبيعة التحول، والتطور ذو وجهين، وجه مادي ووجه معنوي. الوجه المادي هو انتشار الطب الخاص وفي مستشفيات أشبه بالقصور، وهذا يلزم المريض أن يدفع بالاضافة الى سعر العلاج والدواء مبلغًا إضافيًا يغطي المصاريف الاستثمارية والخدماتية للمستشفى. والوجه المعنوي هو التحول الذهني في مجال الطب بين الطبيب والمجتمع، حيث ان الطبيب تحول الى تاجر والمجتمع الى سوق. وذهنية «التاجر والسوق» فرضت نفسها على النفسية الجمعية وأضحت من المسلمات، وهذا التحول الذهني حَوَّلَ الطب الى استثمار تجاري يتخطى مقتضيات المهنة والوظيفة والاسترزاق الموزون، وأفقد الطب سمة النعمة، وحرم المجتمع من نعمة الطب.. وهكذا سقط من قاموس الذهن لقب «حكيم»، لأن الطبيب الحكيم استساغ صفة الطبيب التاجر.

وصار التحول الكبير حيث صحة الناس أصبحت مجالًا للاستثمار بغية الإثراء على حساب الصحة.. الاطباء والعلاج، الصيدلة والادوية، المرضى والشفاء.. لا علاج ولا دواء ولا شفاء.. استغلال واستثمار.. صحة الناس أصبحت سوقًا.. والناس الأصحاء زبائن عند الاطباء.. المريض يدخل المستشفى كأنه يدخل متجرًا او سوبرماركت لشراء علاج ملائم، وأسعار العلاج مبالغ فيه، لا رقابة ولا رقيب ولا ضمير، وهي في ارتفاع مع ازدياد الطلب على سلعة العلاج. من كانت له حيلة فليحتال.. كان المثل، تعبيرًا عن رزية، يحمل معنى الادانة بحق المحتال ونبذ الاحتيال ترفعًا بمكارم الاخلاق ومكانة الانسان، واليوم أضحى المثل مثالًا يحتذى به ودفعًا بالناس الى التلاعب بالناس، واعتبار الاحتيال من مكارم الذكاء..

تغريدة تخرج من الوسط الشعبي في فرنسا تفيد بالمختصر المعبر والمفيد: «الأستراليون يستيقظون أخيرًا! متى سيستيقظ الفرنسيون؟ الاطباء يكذبون، الاطفال يموتون !!!».. اليقظة الاسترالية هي انقشاع الغمامة عن حقيقة ماساوية، ضحاياها الاطفال على يد الاطباء، ليس بسبب خطأ طبي ولكن بسبب قرار استثماري.. هكذا تفيد التغريدة، والتي تعني أن الهدف من الطب قد تحول من العلاج الصادق الى الاستثمار الماكر، وهو الاستثمار الخاص. ليس بخاف على أحد، حتى الجهلة والفقراء، ان الاستثمار الخاص اذا انزلق خارج الاخلاق، ومن أجل تراكم المال والثروة، فإنه مستعد أن يستعين بالشيطان لكي يمده بأدوات الكذب والاحتيال والمكر. قلة نادرة من اصحاب الاستثمار الخاص ما زالت ضمائرهم حية تنبض بالحق وتتغذى على الاخلاق.. فرنسا واستراليا، حيث الديمقراطية لها تاريخ وعراقة، يئن فيهما عامة الناس من وطأة الطب الخاص، فكيف الحال إذًا بدول بالكاد تشم رائحة الديمقراطية او تلك الدول المحرومة من مجرد حق الكلام والتعبير!!!

النظام الراسمالي السائد حول كل ذي قيمة الى سلعة او وسيلة لها سعر حسب تقلبات السوق، فمن ملك السعر حصل على مبتغاه، وجمع تحول قيمة الطب الى سعر للعلاج فإن الصحة والشفاء من الامراض تكون من حق من يملك المال الكافي، أما من كان ماله بالكاد يكفي طعامه ووسائل عيشه الاخرى فإن الشفاء من مرضه يصبح حلمًا بعيد المنال، وعندها يضطره اليأس أن يرفع كفيه متضرعًا الى السماء لكي تنزل عليه معجزة الشفاء.. او يبحث عن علاج لهذا الخلل في ميزان العدالة بين الطب والمرض على ارض الواقع.. هذا الخلل اليوم، وبفضل آلية العمل الراسمالي، أضحى سُنّةً لها جذور عميقة في تربة الاقتصاد الوطني والعالمي.

اختل ميزان العدل بين المرض والشفاء، بين المريض والطبيب، والمسافة بينهما في ازدياد، وسعر العلاج في ارتفاع، وقدرة الشراء في انخفاض.. خلل في حاجة الى علاج، ولا سلطة بيدها القدرة على علاج الخلل سوى سلطة الدولة.