بعد أكثر من نصف قرن من انطلاق حركة الحقوق المدنية الأميركية في الستينات من القرن العشرين، اتهمت حركة «حياة السود مهمة» الإدارة الأميركية مرة أخرى بالعنصرية الممنهجة ضد السود وغيرهم من الملونين والأقليات. على الرغم من أن السياسيين الأميركيين اتخذوا إجراءات لطمأنة المحتجين من أجل استقرار الوضع، فإن التمييز العنصري، وهو مشكلة عميقة الجذور في الولايات المتحدة الأميركية، لم يتم كبحه بشكل فعال.
تذكر جريدة «الصين اليوم» أن سبب التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأميركية متجذر في النظام الأميركي نفسه، حيث يتعارض الإطار الأساسي لبناء «الأمة» بشكل حاد مع تطور الدول المختلفة والطلب على التنوع الثقافي في عصر العولمة. في كتابه من نحن: التحديات التي تواجه الهوية الوطنية الأميركية يرى الباحث الأميركي صمويل هنتنغتون، صاحب نظرية «صراع الحضارات» إن الولايات المتحدة الأميركية التي نشأت في فترة ذروة الاستعمار الغربي، تعتبر «الثقافة الأنجلو بروتستانتية» جوهر «الهوية الوطنية». لذلك، على الرغم من أن دستور الولايات المتحدة يتشدق بـ«الحرية والمساواة»، فإن هذه القيم تبنى بالضرورة على ما يسمى بـ«التيار الاجتماعي السائد» على أساس العرق والدين المذكورين أعلاه باعتبارهما الشكل الاجتماعي الرئيسي، وكل من لا يتوافق مع ذلك يواجه العداء من قبل نخب المجتمع الأميركي.
يرى الباحث الصيني شيوي جيان ينغ، على الرغم من أن القليل من أبناء الأقليات العرقية يمكن أن يدخلوا الطبقة العليا في المجتمع الأميركي، فإن ذلك ينبغي أن يقوم على أساس التوافق مع الهوية الكاملة لـ«الثقافة الأنجلو بروتستانتية». حاول القس مارتن لوثر كينغ الناشط في مجال حقوق المدنية استخدام «الثقافة الأنجلو بروتستانتية» التي يمكن للأمريكيين السود قبولها، لإقناع المجتمع الأبيض الذي يحتكر السلطة السياسية بقبول السود. ومع ذلك، لم يعرف أنه من السهل قبول الأفراد السود، ولكن دمج المجتمع الأميركي الأبيض مع الأسود، «مهمة مستحيلة». علّق هنتنغتون على هذا بالقول: «بصفتها دولة ذات أعراق متنوعة وتفتقر إلى السمات القومية الموحدة، لا يمكن للولايات المتحدة الأميركية المحافظة على التماسك الوطني من خلال الاتساق الثقافي والأيديولوجي، ومع ذلك، تبين التجربة السوفيتية السابقة أن تماسك الأيديولوجيات التي تفتقر إلى التشابه العرقي والقومي محدود».
ولكي تبقى الولايات المتحدة على قيد الحياة، يتعيّن عليها أن تحافظ على «هويتها الثقافية الأساسية». ثمة اختلافات ثقافية كبيرة بين الأقليات العرقية والمهاجرين الذين يمثلهم مجتمع السود، والمجتمع الأبيض الذي يؤمنون بالثقافة «الأنجلو بروتستانتية»، مما تسبب في «أزمة الهوية» في الولايات المتحدة.
ولذلك، بالنسبة للعديد من النخب الأميركية البيضاء، إذا أرادت الولايات المتحدة البقاء على قيد الحياة، يجب أن تهيمن ثقافة «الأنجلو بروتستانتية» على الهوية الثقافية للولايات المتحدة الأميركية. لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الدمج الدقيق لسياسات التمييز العنصري والثقافي في الشؤون الداخلية والدبلوماسية للولايات المتحدة، من أجل بناء نظام هرمي للمجموعات العرقية والحضارات. في الولايات المتحدة، يتجسد هذا الترتيب الهرمي للمجموعات العرقية والحضارات في سياسة التمييز المؤسسي والثقافي ضد السود والأقليات الأخرى في السياسية والاقتصاد والثقافة والتعليم وغيرها، فضلاً عن بناء الرأي العام الاجتماعي والجو الداعم، بهدف إبقاء المجموعات العرقية الأخرى جاهلة أو خاضعة أو مهمشة من خلال تعمد تشكيل ونشر صور لوصم الجماعات العرقية بصفات مثل «البربرية» و«الجبن» و«الأنانية». ما سعى إلى تحقيقه، على سبيل المثال، ترامب والعديد من مؤيديه لتفوق البيض بشدة في المجتمع والثقافة الأميركية المتنوعة بشكل متزايد اليوم، هو استيعاب القوة الأساسية والاحتفاظ بها لتعزيز القيم والأنظمة والسياسات التي يمكن أن تعزز «هيمنة البيض» على المجتمع الأميركي.
وبالمثل، تعتبر العنصرية ونظرية التفوق الحضاري من النظريات المهمة التي تؤثر على صياغة السياسة الخارجية الأميركية. اليوم، لا تزال أفكار الداروينية الاجتماعية والاستعمار تهيمنان على علاقة الولايات المتحدة مع الدول والأمم الأخرى. ومن أجل المحافظة على احتكار الولايات المتحدة لتخصيص واستخدام الموارد المحدودة للأرض، ظل بعض السياسيين الأميركيين يقسمون التقارب والتباعد في العالم على أساس الاختلاف في العرق والدين والثقافة والحضارة، ويشكلون مجموعات مصالح، ويصوغون سياسات خارجية للتحالف أو المواجهة، في محاولة لجعل الولايات المتحدة دائما على رأس نظام هرمي للأمم والحضارات. في الوقت الحاضر، يفسر العديد من الأشخاص في الكونغرس والحكومة الأميركية العلاقات الصينية- الأميركية على أنها «منافسة» و«صراع» بين الحضارة الغربية والحضارة الصينية، ويستخدمون ذلك لتحريض العنصريين والقوى المناهضة للصين داخليا ودوليا، وحاولوا بناء تحالف كبير لاحتواء تنمية الصين. إن ذلك لا يعوق تطور النظام الدولي إلى اتجاه إيجابي فحسب، وإنماء أيضًا يسمح للاستعمار والهيمنة بالازدهار في العالم.
ومع ذلك، ومن التجربة التاريخية، فإن اعتماد «الثقافة الأنجلو بروتستانتية» في بناء الدولة الأميركية والمفاهيم التي جلبتها من «الأساطير» مثل «الخصوصية الأميركية» و«مدينة على قمة الجبل» لا تعوق فقط المجتمع الأميركي من التحرك نحو المساواة والانسجام في الواقع، بل أصبحت أيضًا عائقًا لـ«الهوية الأميركية» التي يريد هنتنغتون تعزيزها.
الولايات المتحدة الأميركية، كدولة مهاجرين في القارة الجديدة، تأسست على الأعمال التجارية والتمويل، اجتذبت لفترة طويلة مهاجرين من مختلف دول العالم بظروف مادية وفيرة وبيئية محلية مستقرة وتعايش مجتمعات من أعراق ولغات وثقافات مختلفة بشكل منفصل، وهذا هو أساس ازدهار الولايات المتحدة. مع تزايد عدد المهاجرين والأقليات العرقية في الولايات المتحدة، تستمر نسبة الأجناس المختلفة في المجتمع الأميركي في التغير. إن ازدياد عدد أبناء الأقليات العرقية الذين يتمتعون بحق التصويت يجعل صوتهم أكبر فأكبر في النظام الديمقراطي الأميركي.
يشكل هذا معضلة للولايات المتحدة: فمن ناحية، إذا كان المتفوقون البيض الأميركيون لا يزالون مهووسين باستخدام «الثقافة الأنجلو بروتستانتية» لتبربر العنصرية الأميركية، فسوف يؤدي ذلك حتما إلى تكثيف الصراعات العرقية في الولايات المتحدة وبالتالي الانحراف عن الاتجاه العام للتنمية العالمية؛ من ناحية أخرى، إذا سمحت الحكومة الأميركية ومجتمع البيض «للثقافة الأنجلو بروتستانتية» التي تعتبرها الناس «هوية وطنية» أن تضعف بشكل طبيعي، فإن «التيار الاجتماعي السائد» في الولايات المتحدة ومفهوم قيمه سيفقد موقعه وقيادته، وبذلك فإن اتجاه التراخي وحتى تقسيم الولايات المتحدة كبلد للمهاجرين سوف يتسارع بشكل عميق. هذا شيء لا يستطيع الكثير من الأميركيين قبوله. هم يعتقدون أنه فقط من خلال المحافظة على العنصرية «الحقيقية» للإبقاء على النظام الهرمي للبيض والأقليات، يمكن الولايات المتحدة أن تحافظ على النظام والاستقرار. لذلك، من الصعب حل هذا التناقض العنصري في بناء الدولة الأميركية.
وكما يذكر الباحث جيان ينغ، من المتوقع أن تكون العنصرية موجودة وسيكون لها تأثير كبير في السياسية الأميركية لفترة طويلة. على الرغم من أن «الصائبين سياسيًا» في الولايات المتحدة سيستخدمون جميع أنواع الخطابات الرائعة لتبربرها، فإن «العنصرية» باعتبارها الخطيئة الأصلية هي الأساس للمحافظة على الولايات المتحدة. ما لم يكن هناك تغيير حقيقي جذري في نظام الولايات المتحدة، سيكون من الصعب القضاء على النمط العنصري لها في عملياتها المحلية والدولية.
وهذا يتطلب من أصحاب البصيرة في الولايات المتحدة والمجتمع الدولي البقاء يقظين، والمكافحة بحزم ضد العنصرية في السياسة الأميركية.















التعليقات