قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يزال أمام القوى السياسيّة التي يتشكل منها مجلس النواب، سواءً أكانت «تقليديّة» أم «تغييريّة» (رغم التحفظ المبدئي والمفاهيمي على هذا المصطلح المصطنع)، متسع من الوقت لإنجاز الانتخابات الرئاسيّة ضمن المهلة الدستوريّة وقبل إنقضاء الولاية «التاريخيّة» لفخامة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة المعظم العماد الجنرال الرئيس القائد ميشال عون، وهو الرئيس الذي لولا وجوده في قصر بعبدا لكانت أوضاع لبنان أسوأ بكثير كما يقول مناصروه ومريدوه (ولكن هل هناك ما هو أسوأ مما نمر فيه؟).

المشكلة السياسيّة الراهنة، وفي هذه اللحظة الحساسة بالذات، أن أي رهان من فريقي المعارضة أو بقايا الثامن من آذار «لتهريب» رئيس جديد للجمهوريّة لن يُكتب لها النجاح بسبب خريطة توزع القوى داخل المجلس النيابي، واستحالة تمكن أي فريق دون سواه من تحقيق هذا المكسب دون التشاور مع الآخرين، الأمر الذي قد يدفع القوى التي إمتهنت التعطيل المؤسساتي (وغير المؤسساتي) خلال السنوات المنصرمة إلى العودة إلى «نغمة» الامتناع عن توفير النصاب القانوني لانعقاد الجلسة.

لقد سبق وحصلت هذه التجربة سابقاً كما جُرّبت «بروفة» جديدة منها في الدورة الثانية من جلسة إنتخاب الرئيس مع خروج كتل نيابيّة بأكملها من قاعة الهيئة العامة، لإفقاد الجلسة نصابها القانوني وفق سيناريو مرسوم ومتوقع مسبقاً. الأمر ذاته قد يتكرر مجدداً ولعشرات المرات ما لم يتم التفاهم المسبق حول إسم الرئيس الذي سيقود البلاد في السنوات الست المقبلة.

بطبيعة الحال، النقاش النظري والسياسي الذي قد يُثار حول هذا السلوك ومدى مطابقته للمعايير والأصول الديمقراطيّة هو نقاش مشروع ومستحق، لا سيّما على ضوء التعثر الكبير الذي شهدته وتشهده «الديمقراطيّة اللبنانيّة» جرّاء الأداء الملتوي لبعض القوى السياسيّة التي «تستقوي» على الدولة والحكم والنظام عموماً.

وبطبيعة الحال، من المطلوب، بل المطلوب جداً، إعادة الاعتبار للمفاهيم الديمقراطيّة الأساسيّة وعدم السماح في التمادي في تشويهها تحقيقاً لمصالح فئويّة من هنا وهناك لا تؤدي سوى إلى تكريس ضعف الدولة الذي يلاحق لبنان منذ ولادته ولغاية يومنا هذا.

إذا كان المأخذ على أي «رئيس تسوية» أنه سيكون مضطراً لمراعاة مطالب وحسابات القوى التي إنتخبته، فهذا لا يعني أن «رئيس التحدي» سيكون قادراً على فرض إرادته على القوى التي لم تنتخبه (لعنة ضعف الدولة مجدداً). من هنا، فإن فرص نجاح «رئيس التسوية» في تدوير الزوايا ستكون أعلى من قدرة «رئيس التحدي» على اللجوء إلى الأساليب التي لن تؤدي سوى إلى المزيد من التشرذم والانقسام والمراوحة القاتلة.

قد لا يعجب هذا التحليل البعض، وقد تنتقده أصوات أخرى من أصحاب النظريّات المثاليّة التي تظن أن تطبيق النظريّات السياسيّة كما ترد في الكتب الجامعيّة متاح في إطار بيئة سياسيّة معقدة ومتشابكة كالبيئة اللبنانيّة. ولكن، لا مفر من الإقرار بأن هذه هي طبيعة التركيبة اللبنانيّة. أما سبل تغييرها وتطويرها فله نقاش آخر يفترض خوضه دون إهدار الفرص الثمينة التي تتوفر ضمن المهل الدستوريّة، والتي سرعان ما تتلاشى بعد إنتهائها والدخول في فترة الشغور التي قد تطول وتنذر بعواقب وخيمة.

وللمزيد من الوضوح، لا يعني الحديث عن «رئيس التسوية» بأي شكل من الأشكال إعادة تكرار تجربة تسوية كالتي أفضت إلى وصول عون إلى بعبدا. لقد كانت تسوية سياسيّة في الشكل إلا أنها أفضت لوصول رئيس تحدٍ إلى القصر الرئاسي، وقد رأينا إلى أين قاد البلاد.

التسوية العادلة القابلة للحياة هي التسوية التي تأتي برئيس تسوية ولكن دون المساومة على الثوابت الوطنيّة: الدولة (بوظائفها كاملة) والطائف وعلاقات لبنان العربيّة والدوليّة.