قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لم تعد مشكلة الولايات المتحدة منحصرة في البحث في سبل إبطاء، إن لم يكن، وقف تداعي المكانة والقدرات لأحلامها الإمبراطورية، ولا في التصدي للمنافسين الجدد على زعامتها العالمية كما تتكشف الآن من جانب روسيا في أوكرانيا، ومن جانب الصين في تايوان كعلامات للتحدي الروسي- الصيني للزعامة الأحادية الأمريكية، لكن إلى جانب هذا كله تواجه واشنطن تحديات من داخل تحالفاتها، لكنها تحديات مثيرة للتندّر، إن لم تكن مثيرة للتعجب، لكونها متناقضة التوجهات يلخصها توسع نزعة التوجهات اليمينية التي بدأت تجتاح دول الحليف الأوروبي، وتكشفت هذه النزعة بوضوح في الانتخابات النيابية والرئاسية الفرنسية، وقبلها في ألمانيا، لكنها جاءت صارخة في السويد، ومن بعدها إيطاليا، رغم حملة التشويه الدعائي ضد هذا التيار الجارف.

في الوقت نفسه، يأتي التحدي الآخر لواشنطن من الجوار اللاتيني الذي كان، ومازال، يوصف ب«الحديقة الخلفية للولايات المتحدة»، منذ أن اعتبر «مبدأ مونرو» هذا النصف الجنوبي من القارة الأمريكية مجالاً حيوياً أمريكياً خالصاً يُحرَّم على منافسي الولايات المتحدة الاقتراب منه. والتحدي الذي جاء ليواجه الولايات المتحدة من أمريكا اللاتينية تحدٍ يساري مخالف تماماً للتحدي اليميني الأوروبي.

فقد وصل اليسار إلى الحكم في خمس دول أمريكية لاتينية، هي: الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو، وقبلها ترسخ اليسار بقوة في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، وما هي إلا أيام قليلة مقبلة، وبالتحديد في 30 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، حيث من المتوقع أن يصل رئيس يساري آخر ليحكم البرازيل هو الرئيس السابق، لويس إيناسيو لولا داسيلفا، الذي عاد لينافس بقوة مجدداً على رئاسة البرازيل في مواجهة الرئيس اليميني جايير بولسونارو، حليف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

ففي جولة الانتخابات الأولى التي أجريت، يوم الأحد الفائت، بين المرشحين، حصل لولا داسيلفا على 47,91% من الأصوات في مقابل 43,65% لبولسونارو، وكانت شركة «داتا فولها» الرائدة في استطلاعات الرأي أعطت 50% من الأصوات للمرشح اليساري لولا، الأمر الذي كان يعني توليه الرئاسة مباشرة من دون الحاجة إلى جولة ثانية، لكن المواجهة العنيفة التي يخوضها الرئيس اليميني المنتهية ولايته لمنع عودة لولا داسيلفا، واطمئنان الكثير من الناخبين لحتمية فوز لولا داسيلفا، حالت دون تمكنه من إحراز نسبة ال «50%+1» من الأصوات ليفوز من الجولة الأولى، الأمر يراه الكثيرون حتمياً في الجولة الثانية المقبلة.

صدمتان هائلتان، أو ضربتان موجعتان في الرأس للولايات المتحدة، التحدي اليميني المتطرف في أوروبا، ومن إيطاليا التي هي أحد أهم مراكز الثقل الأوروبي، والتحدي اليساري في أمريكا اللاتينية. كيف ستواجه الولايات المتحدة هاتين الضربتين المتناقضتين، بأي خطاب؟ بأي خطاب سياسي أمريكي ستواجه واشنطن تيار اليمين المتطرف في دول الحليف الأوروبي؟ وبأي خطاب سياسي ستواجه واشنطن تيار اليسار في الدول اللاتينية؟

اللافت أن التيارين، اليميني الأوروبي واليساري اللاتيني، يرفضان الهيمنة الأمريكية، ويرفضان الانصياع للسياسة الأمريكية. والخطاب السياسي لزعيمة اليمين الإيطالي جورجيا ميلوني التي باتت تُعرف ب«المرأة الحديدية الجديدة» زعيمة حزب «أخوة إيطاليا» (فراتيلي ديتاليا)، يكشف عن رفض للركوع للسياسة الأمريكية، وأكثر تعاطفاً مع روسيا في حربها في أوكرانيا، وضد التورط الأوروبي في دعم عسكري لكييف في حربها مع موسكو، يساندها في ذلك قادة اليمين، خاصة رئيس الوزراء الأسبق، سيلفيو برلوسكوني، زعيم حزب «فورتسا إيطاليا»، وماتيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة». وهي أكثر رفضاً للتوجهات الليبرالية الأمريكية، خاصة ما يتعلق بالتمسك بالأسرة والاعتبارات الأخلاقية، على عكس ما يركز عليه الإعلام الغربي باتهامها بالتشدد في رفض الهجرة إلى إيطاليا. فهي التي تقول دائماً: «أنا امرأة، وأنا أم، وأنا إيطالية، وأنا مسيحية»، وحرصت على تعرية الخطاب السياسي للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عندما اتهمت بلاده بنهب إفريقيا وثرواتها، وإجبار شعبها على اللجوء غير الشرعي.

وإذا كان الرئيس الفرنسي اضطر إلى سلوك منهج المهادنة مع الفوز الساحق لليمين في الانتخابات الإيطالية، كما اضطر إلى التأكيد على أنه «يحترم الخيار الديمقراطي» للإيطاليين، فإن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، لم يستطع إخفاء امتعاضه من هذا الفوز، واعتبره «خطراً يواجه الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة». فكيف سيعلّق بايدن على فوز قريب التحقق للمرشح اليساري لولا داسيلفا في البرازيل؟ وكيف سيكون في مقدور واشنطن التكيف مع هذا النوع شديد الغرابة من التحديات: يمين أوروبي ويسار لاتيني؟