العلاقة بين الشعب اللبناني وطبقته السياسية والحزبية معقدة بعض الشيء، أو كله، ليست كعلاقات الشعوب الأخرى بحكامها وسياسييها، إنها علاقة خاصة لا تخضع لأي قانون ولا لأي نظرية في الحكم والسياسة، منذ قامت الدول التي تحكمها القوانين والشرائع الوضعية والسماوية.
لبنان لا يشبه أي دولة في العالم، لا قديمه ولا حديثه، في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، إنه نموذج فريد من نوعه يستحق جائزة "التميز" من "الموركس دور". بلد "سينمائي" على نمط أفلام الفانتازيا وأساطير الروايات الخيالية وتاريخ الشعوب المنقرضة. بلد كله ممثلون رديئون يرغبون كلهم في أن يؤدوا أدوار الخير لأن لا أشرار بينهم، لا من فوق ولا من تحت. لبنان هذا الذي قتله الشر والأشرار ما زال مصراً على أنه بلد الخير والحق والجمال.
لا يشبه لبنان الملكيات، لا المطلقة ولا الدستورية، لا يشبه الدكتاتوريات. ليس بلداً اشتراكياً ولا شيوعياً، ليس نظاماً رئاسياً ولا برلمانياً حقيقياً، ليس بلداً من بلدان الحزب الواحد ولا توريثياً بالمعنى الحقيقي للكلمة. ليس جمهورية، وإن سُمّي جمهورية، وليس نقيضاً لها في آن واحد. هو ليس ديموقراطية، ولكنه ليس معادياً لها. ليس قبلياً وإن كان فيه الكثير من وجوه النظام القبلي، وليس ثيوقراطياً رغم سيطرة العقل الطائفي المتعصّب على "نخبته" الحاكمة وعلى "شعوبه" التي تختصر الدين بتقديس أدعيائه الأرضيين وتنكر الله نفسه وأنبياءه ودعواتهم. ليس أوليغارشياً كامل الأوصاف حتى، ولا أنارشياً، مع أن فيه الكثير من هذين المفهومين: حكم الطغمة واللا حكم أو اللا سلطة. الحمد لله أن ليس في لبنان جان بيدال بوكاسا ولا عيدي أمين وإلا كانوا أكلونا بعدما أكلوا البلد.
وعلاقة الشعب بهذا النظام تشبه هذا النظام الذي لا يشبه أي نظام من تصنيفات الأنظمة السياسية في العالم.
يكره اللبنانيون طبقتهم السياسية إلى حد شتمها ليل نهار في مجالسهم وفي وسائل إعلامهم وعلى منصات التواصل الاجتماعي. يحمّلونها مسؤولية الخراب ويتهمونها بالهدر والفساد والنهب وسوء الإدارة والتّبعية للخارج. يقولون عنها ما لم يقله مالك في الخمرة، وينزلون إلى الشارع للاحتجاج عليها ويحرقون إطارات المطاط لتشويه صورتها، يقسمون أنهم سيحاسبونها وأنهم لن ينتخبوها مرة جديدة، ويتنصلون علناً منها ومن أحزابها ورجالها، حتى لتكاد تظن أن ثورة الغضب ستهب اليوم قبل الغد وتأخذ في طريقها "الطيب والقبيح والشرس".
لكن هؤلاء اللبنانيين الذين يكرهون طبقتهم السياسية مجتمعة هذا الكره، ويبدون وعياً ومعرفة كبيرين بدور هذه الطبقة المدمّر وبصفقاتها المعلنة والسرية، وبتحالفاتها الظاهرة والخفية، وبتواطؤاتها المصلحية والكيدية... هؤلاء اللبنانيون أنفسهم يدورون حول هذه الطبقة كما تدور الفراشة حول النور إلى أن تحترق.
معقّدة علاقة اللبنانيين برجال السياسة. اللبناني، غالباً، لا يختار رجل السياسة لأنه كفوء ونظيف الكف ومخلص ومثقف وصاحب علم ومعرفة في شؤون السياسة والإدارة والاجتماع. آخر همه في أي جامعة تخرّج وما هي شهادته، وماذا تحتوي سيرته الذاتية من مؤهلات وإنجازات ومواقف وقيم وشهادات حسن سلوك، وما هو برنامجه. أصلاً لا رجل سياسة في لبنان يقدم برنامجاً، من النائب إلى رئيس الجمهورية مروراً بالأحزاب والهيئات السياسية المختلفة.
الأخلاق مفهوم غائم في مجتمع يقدّس مراكز السلطة والنفوذ والمال، لا حاجة للأخلاق لدى السياسي، المواطن لا يهمه هذا الأمر ما دامت الأخلاق لم تعد قيمة سامية في بلد يمجّد شعبه الاستبداد والقمع والسرقة والنهب وتجارة المخدرات وتبييض الأموال والرشوة والاحتكار والتهريب والتهرب والكذب والاحتيال والنّصب والتعدي على الأملاك العامة.
السياسي في لبنان "ساحر"، والمواطن مسحور، هي علاقة غريبة أكثر تعقيداً مما نتصور، علاقة القتيل بالقاتل والمظلوم بالظالم، علاقة المسحوق بساحقه. هي مزيج من السطوة المغلفة بقوة المال والنفوذ والكاريزما والقداسة، حتى في مواجهة الضعف الإنساني الناتج من الفقر وقلة الحيلة والوعي والجهل وسذاجة الإيمان الديني غالباً.
وستبقى هذه العلاقة على ما هي عليه ولن يتغير شيء في لبنان حتى يتحرر العقل، وليس الأمر منظوراً.
- آخر تحديث :















التعليقات