قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


لا أظن أن أحداً من المثقفين والكتّاب المولعين بكرة القدم، لا يعود هذه الأيام ولو من باب مرور الكرام إلى كتاب «كرة القدم في الشمس والظل» للأرغواني إدواردو غاليانو، ونقله إلى العربية بلغته الترجمانية الحرفية كالعادة صالح علماني، أحد شيوخ الترجمة إلى العربية من الإسبانية مباشرة بلا تدخل من أي لغة ثالثة وسيطة، الأمر الذي جعل من قراءة الكتاب في هذه الأيام الكروية، متعة مضافة إلى متعة متابعة تصفيات مونديال العالم، الذي يُسميه البعض «مونديالاً عربياً» من باب أن العرب يلعبون الكرة أيضاً أفضل أحياناً من صنّاعها في أوروبا أو في أمريكا اللّاتينية.

ولكن ماذا عن إدواردو غاليانو؟ وما حكايته مع كرة القدم؟ لا حكاية ولا رواية. الرجل كاتب أولاً ورسّام كاريكاتير وفنان. كل شيء هو فالح فيه إلاّ الكرة، ولكنه جرّبها ذات يوم فقال عن نفسه: «لقد رغبت مثل جميع الأرغوانيين في أن أصبح لاعب كرة قدم وقد كنت ألعب جيداً، كنت رائعاً، ولكن في الليل فقط، في أثناء نومي. أما في النهار فأنا أسوأ قدم متخشبة شهدتها ملاعب الأحياء في بلادي».

وهكذا، ترك غاليانو الكرة في ملعبها، وأخذ يلعب في ملعبه. عرف قدر نفسه، وكما يقولون «مدّ رجليه على قدّ لحافه»، فكتب واحداً من أجمل الكتب حول اللعبة الشعبية العالمية، وكتابه ليس وصفاً عابراً لكرة القدم؛ بل هو كتاب تأمّل وتاريخ وذاكرة، وأظن أن ما من معني بكرة قدم من الحكم إلى اللّاعبين إلى حارس المرمى إلاّ وقرأ الكتاب أو سمع عنه، لأن اللاعب قد يجد نفسه أحياناً في كتاب أكثر مما يجدها في ملعب.

ماذا يقول غاليانو عن تاريخ كرة القدم؟ هو ليس بمعنى التاريخ الزمني والتوثيقي والروائي؛ بل هو تاريخ موجز يكثّفه غاليانو في نحو 400 كلمة تُغني عن 40 كتاباً في التاريخ الكروي الذي يصنعه أحياناً الأقوياء. أليس التاريخ الرسمي للحروب بين البشر هو ذلك التاريخ الذي يصنعه الأقوياء؟
على أي حال مالنا ولتاريخ الأقوياء والضعفاء، دعنا في تاريخ غاليانو. يقول: «تاريخ كرة القدم هو رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب فكلما تحوّلت هذه الرياضة إلى صناعة، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرّد اللعب». ويقول: «لقد تحوّل اللعب إلى استعراض، فيه قلّة من الأبطال وكثرة المشاهدين. إنها كرة قدم للنظر، وتحوّل هذا الاستعراض إلى واحد من أكثر الأعمال التجارية ربحاً في العالم».